الأعمال العشرة الأولى في مسابقة القصة القصيرة – جائزة أفرابيا النسخة الثانية

الأعمال العشرة الأولى في مسابقة القصة القصيرة – جائزة أفرابيا النسخة الثانية

العشرة أعمال الأولى
في مسابقة القصة القصيرة

قصيدة الخلاء العظيم
محمد التجاني الطاهر عباس
“عن ماذا سأكتب هذه المرة؟..ليس لدي أدنى رغبة في فعل هذا”
يستمع جيدًا، ليس كما قد يعتقد ولكن كما يفعل المحترفون، لإرادته ينصت بصب ٍ ر وحكمٍ ة بالغين، يدعها تتزمر،
يدللها ويحنو عليها.. وحين يسيل حزنها ساخنًا، فهو من يطوقها بأزرع العناق.. أما عندما تتعب من هول الأشياء مصابً ة
بالعدم، يكون هو من يتحمل كل ثقلها الكوني ساقطة الإستلقاء بكامل عنتها عليه.. ولما تحين اللحظة المناسبة، لحظة سطوع
حقيقة الآن؛ يبتهج لحماسها المجيد فيتركها ترقص دهسًا لما تحتها، وكل ما سواها تحتها.. ومتى ما لا تكون الرغبة حاضرًة
هنا، تكون حتمًا في مكان آخر، هي دائمًا موجودٌة في مكا ٍ ن ما، إما بحوزتك، او أصواتًا بعيدًة في صحراء موحشة.
الآن هي اللحظة المنتظرة منذ البداية، حانت ذروة طريق حصاد الحقيقة الكاذب، بعد إلقائك خيط إرادتك في أعماق
ذاتك، الآن ليس عليك إلا أن تتركه يسحبك حتى كنزك المحتوم. فقط أنصت جيدًا، من يدري، ربما تجد عندها صيدًا ثمينًا
هذه المرة. ماذا إن كان عفريتًا صارخًا معلقًا بجدائل فكرٍة قاصية في أبعد أرجاء الخلاء؟ ماذا إن كانت بئر عط ٍ ف جياش
تفوح بروائح قزحية كريمة؟ .. ماذا إن صادفت القنديل السماوي الخالد او السامري أو حتى إله الزهج العظيم، المعلم
الأعظم.. لن ينسى أبدًا ذلك الميلاد المجيد، حين كان مستل ٍ ق بإحباط على أرض خلاء ذاته، يحدق في سماء جوفه بلا
جدوى..
“إن أرض خلاء ذاتي هي بنفس درجة قبح العالم.. بنفس درجة خواء نسيج الأكاذيب الذي يشكل الواقع .. ربما أنا لست إلا
جرة خزف مثيرة للشفقة او ربما سجادة ثمينة مستلقية بلا حيلة على أرض جرداء”
الخلاء مسطح بطريقة مزعجة، يجعلك تشعر بأن اليأس العميق هو حقيقة محكمة مطلقة لا جدال فيها.. جعلك ترى
الأرض خط سطح مستقيم بلا عوج أبد المكان .. وهذا الأثير الهائل ملء الممكن، ليس إلا صمت لا صوت طنين النمل في
مسيره الأزلي متجهًا نحو الأبد، أما الأفق القاصي فهو مزيج سلس من الضجر الباهت، لا شيء مختلف حقًا الآن الا قطعة
السراب الداكن و الجديدة هذه.
لم يمضي الكثير حتى امتلك السراب أطرافًا طيفية راقصة.. ودندنا ٌ ت باهتة تسحق تيار النمل القديم، هذا الشيء يمضي
بخطًا لاهيٍ ة عابثة وإصرار فكرة شيطانية، يشبه الى حٍ د كبير إحدى كائنات الفوضى التي تجوب هذه الأرجاء بلا كلل..
الخلاء يعج بالدواب و الكائنات العجيبة، لكن يبدو ان الامر لا يهم على كل حال.
تسارعت الأمور بوتيرة اكبر وإستحالت الدندنات ترانيم بلغة غريبة، مستلقيًا لم يبالي بشيء حتى غطى الامر قسمًا عظيمًا
من الاشعاع بظلمة لذيذة إضطرته للنهوض من مرقده فزعًا محدقًا في الكائن العجيب..
-“إني أنا بوريديوس المبجل، إله زهجك العظيم، آمرك بأن تكتب”
-“ماذا تريدني أن اكتـ..”..
قتلت كلمة الاجابة المفتاحية بصفعة قوية خاطفة إهتزت لها خلجات خلاء ذاته، “يا للهول!.. هذا الشيء غريب جدًا” قال
محدثًا نفسه..
قال بوريديوس: “اكتب!”
رد قائلا: “لكن ماذ..”
مجددًا، طبعت على خده الآخر يد حمراء طويلة الأصابع، دس المسكين محمر الخدين يده في جيبه واخرج هاتفًا لا يصلح ا
لا للكتابة.. حينها أخذ بوريديوس يؤدي رقصة جنونية تاليًا ترانيمه العجيبة، و ٓ هم المسكين كاتبًا ما يقوله الكائن العجيب.
تدريجيا تباطأت الترانيم الراقصة الى ان انتهت معها رحلة الكتابة.. لاحظ أ ّ ن الكلام لا بأس به، لا بل إنه جيد جدا، رغم انه
لم يفهم كلمة واحدة، إلا أّنه يبدوا بديعا نصا مقدسا، إنه زاٍه تمامًا كقصيدة عظيمة ولدت أثناء نوم عميق.
قال بوريديوس: “أنت كاتب” ثم إتخذ بعدها وضع القرفصاء على الأرض صامتا ومغمضًا عينيه في هدوء مرعب، مكث
فقط هكذا بينما يراقبه الكاتب متعجبًا، في لحظة سكون عظيم فر الكاتب هاربًا بما لديه من كنز، ولو أنه إلتفت للحظة لوجد
أ ّ ن بوريديوس يركض مبتعدًا بنفس السرعة في الإتجاه المقابل. لم ُيشا َ هد بوريديوس منذ ذلك الحين، حاول الكاتب كثيرًا
إيجاده ولكن بلا جدوى، كل المحاولات من إستلقاء الإحباط ومشي الهوم على أرض الخلاء وحتى الصراخ الجنائزي و
المواء الضجري كلها باءت بالفشل.
للخلاء أرض صحراوية منبسطة باردة الجو، إنها مكان عدائي جدًا لتجّ ول إرادة إنسانية، الضوء فيها مشع جدًا
وبصورة مزعجة. يّ دعي سكان قرى الذكريات أ ّ ن سبب الإشعاع الشديد جدًا هو قرب الخلاء من كرة الذات المقدسة النجمية
، وتؤمن بعض قبائلهم بأ ّ ن أرض الخلاء هي في الأصل أرض الميعاد المزعومة. بجانب عدم توفر الدلائل الموضوعية
لدعم زعم كهذا، إلا أ ّ ن هؤلاء الأهالي لا يمكن الإعتماد عليهم أساسًا.
قبيلة النوستالجيا وتعد أكبر قبائل الذكريات يعبدون تمثالاً ضخمًا من الهلام الاصفر يسمونه “باست”، إذا حالفك الحظ
ستراهم يطوفون حوله عراة ضاحكين عدة اشواط، فجاءة ينتصب الجميع في صمت بلا حراك محدقين في الهلام لساعات
بأعين لامعة.. ومرة أخرى وبلا مقدمات يسقطون جميعًا باكين على الارض. يستمر البكاء طويلا حتى يتوقف بغتة أخرى
وبعدها يتلفت القوم يغطيهم الزهول وكأنهم لا يذكرون ما كانو يفعلون، وبطقس غريب وكأّنهم يلاحظون عريهم، -للمرة الأ
ولى- يركض كل منهم الى مخدعه مسرعًا صارخًا. وتتكرر هذه العملية كل فترة بنفس الطريقة، هل تعتقد ان بالإمكان أخذ
مثل هؤلاء على محمل الجد؟.
على كل حال، منذ حادثة بوريديوس تغيرت الكثير من الأمور بالنسبة للكاتب، لم يعد سلبيًا ولا مسؤولاً تجاه خلاء ذاته، لقد
صار يرى كل ملق ٓ ي أر ٍ ض كنزًا محتملاً، ربما أصبح أخيرًا يعرف قيمة إرادته الحقيقية.
“الكاتب لص احمق وبليد.. لا تنخدعوا! الكاتب سارق! الكاتب سارق!” بصوت مخنوق صرخ مالك الحزين وهو يمر محلقا
فوق المنطقة..
لم تعد مثل هذه الاستفزازات تزعج الكاتب، بعد أن مضى وقت طويل على بعثه، وبعد أن إعتاد شيئًا فشيئًا على حياة الكّتاب
هذه وما ترافقها من مصاعب، إنها حياة صائدي الكنوز المغامرين، لطالما غص الماضي بالأمجاد، بالإرادة المتأججة،
بالنصوص العظيمة، أما حاضر الآن هذا فيبدوا -لحسن الحظ -أقل قتامة من المستقبل، في هذه الأثناء، الإرادة لا تنبيء
عن شيء أبدًا، كما لو أّنها لا تريد..
الآن، ماذا سيكتب.. عن ماذا سيكتب؟.
“اللعنة”
في إحدى جولات هوم البحث، صادف في طريقه “جدادة الخور الحكيمة”، كانت مخلوقًا غريبًا جدًا، تجلس في بطن الخور
فوق صخرة هي أشبه ببيضة عملاقة، مستقرة هناك يحُفها جمع غفير من كلاب ضالة، يبدوا عليهم جميعًا الإنصات باهتمام
لما يقال، تسلل الكاتب مندسًا في آخر الصفوف..
قالت الجدادة الحكيمة: “إ ّ ن أثمن ما في الوجود هو الحقيقة، الحقيقة هي أثمن شيء لا يمكنك بيعه” هنا شرع في البكاء تيس
نحيل وسط الكلاب حتى إبتلت لحيته..
قالت:”البعض لا يحاول أن يكون صادقًا كفاية، ربما فقط ان يظهروا أقل كذبًا، هؤلاء سارقون ملثمون!”
تململ الكاتب و صرخ قائلاً: “أبحث عن بوريديوس العظيم”
إلتفت الجميع اليه وكأنه راكب غريب يتكلم في مركبة مواصلات عامة..
قالت:”لماذا؟”
لم يجب بشيء
تفرست الجدادة الحكيمة في هيئة الكاتب لبرهة
ثم قالت: “لماذا انت كاتب؟”
-“لأن هذه الاشياء ثمينة، أقصد النصوص”
-“ماذا تعني بثمينة؟”
لا إجابة
قالت:”بماذا سيفيدك بوريديوس؟”
-“لا أعلم، ربما يمكنه ان يساعدني”
نهضت الجدادة من جلسة الحكمة ودارت بكامل جسدها الى الخلف شابكً ة جناحيها فوق ظهرها، وقفت هناك فوق صخرتها
ساكنة لمدة وهي تنظر من خلال زجاج نافذة ظهرت لتوها. الى أفق للسأم البعيد ظلت محدقة لمدة، ثم قالت: “إتبعني”
في مسير طويل مشى الإثنان حتى انتهى بهما الأمر في مكا ٍ ن غير مأهو ٍ ل على حافة الخلاء، لا شيء هنا يذكر إلا جبل
عظيم.
قالت: “ماذا ترى؟”
قال: “جبل ضخم ومترهل يضع سماعات عملاقة كما يبتسم بصورة مثيرة للشفقة”
.. فجاءة إهتزت الأرض ورقص الجبل بصورٍة مخجلة.. “عجيب” قال الكاتب..
قالت: “إتبعني”
سار خلفها قليلاً حتى ول ٓ جت خلال باب كهف في جانب غير مهم من الجبل، تردد في البداية إلا أ ّ ن وخز الفضول الكثيف
على مدخل الكهف كاد يفتك به، بعد فترة قصيرة ومع تجدد زلزل الرقص، خرج الكاتب من الكهف مهرولاً يتنهد فزعا
ويتصبب دهشا، قال والكلمات تتقطع بانفاس ركضه:” لم يخطر لي أبدًا ان كل هذا الجمال قد يكون بالداخل”على مدخل
الكهف وقفت الجدادة الحكيمة يغطيها الحَبط وهي تحدق في الكاتب راكضًا مبتعدًا حاملاً نصًا عاطفيًا يقطر منه القزح
القطبي.
في الماضي البعيد، لم يكن الكاتب يبحث عن بوريديوس. بعد أن أدرك أ ّ ن ارض الخلاء هي في الحقيقة مكان
غني جدًا، أخذ بالتجّ ول فيه سعيدًا خلف إرادته الفتية. كل جلسة ترحال في أقاصي النفس كانت تخرج بالكثير من النصوص
العظيمة، أفضل النصوص وجدت في أكثر أماكن الخلاء عدائية، لقد كانت حصاد أشد الأشياء إلتصاقًا بالحقيقة، الأكثر
صدقا، وكانت الأحزان هي الأصدق دائمًا.
حدث هذا منذ فترة، حينها كان الكاتب عائدًا من جلسة رحلة صيد وفير في منطقة قريبة من وادي البكاء، يمشي في الارض
مرحًا ويعد الأوراق التي في حوزته، فجاءة سمع صوت بكاء شديد، أخذه مصدر الصوت الى حافة واٍ د عظيم..
قال مندهشًا:”لم اعتقد ان بالخلاء ارضاً غير مسطحة”
هرول سريعًا نحو مسحة الحنين فوق منحنى الوادي، هنالك باب ينتصب وحيدًا في بقعة مريبة يسيل الوادي منها سربالاً
واهنًا.. قريبًا اقترب حتى توقف على بعد أقدام.. كانت “اميرة الجيران الباكية” جالسة على الأرض منكفئة على بين
زراعيها، متوارية بالجانب الداخلي من باب الجيران، مبتسمًا وهو يرفع ثوبه واثبا الى بقعتها الجافة نادى :
“لماذا تغرقين الارض بالأحزان؟”
دون ان تغير الاميرة من جلستها قالت وهي تجفف صوتها من البكاء:”))لماذا((، تلك الكلمة، هل تعنيها حقًا؟، هل تريد فعلاً
ان تعرف لماذا؟”
تلعثم الكاتب، فصفع وجهه، ثم تكوم على الأرض جاعلاً أسرتي الأصابع تقبل بعضها كثيرًا، تعان ٌ ق باهت وفراق عجل،
دخن هاء السكت ونفثها قائلاً:
“لا أدري، حقاً لا أدري”
على مهل رفعت أميرة البكاء رأسها، نظرت اليه مباشرة في عينه متحدثة بكلام لم يسمعه أحد، هناك شيء يحدث إبتلع كل
مسارب الحس، عجيب جدًا، حلقات زحل تطوف آمادا متعبة.. كل حلقة هي جرح رمادي دامي..والبين لون كالخوف
عصابي.. و الحواف صوت رهابي كضرب الموج على القلب، والمنتصف، في مركز الدوران السوداوي.. شيء لا أفهمه
يسبب البكاء..
بصعوبة نطق كمن ينتشي بهذيانه:”إ ّ ن حزنك جليل، يبدو حقيقيًا بشدة.. كنت دائمًا أقف محبطًا أمام الجمال، أمام الحقيقة، لا
أدري كيف أكون في حضرتها، لا أدري كيف ألأحتواء، لكن الان.. لقد إزداد الامر علي تعقيدًا، لا أعرف كيف أحتوي
عين زحل.. اريدها على عيني واريدها في فمي، اريد الطواف بهما مفتوحتان الى الأبد و أحب طعم فنائك على فمي،
اريني كيف أعبد عين زحل وأذوقها سويا؟ كيف تفعلين كل هذا؟ من أين تأتين بكل هذا؟ لماذا كل هذه الحقيقة؟”
نظرت الأميرة للكاتب بابتسامة حزينة، “ياللجحيم!” دنت نحو أذنه ببطء قاس وعبير فانيلا الخريف يقتحم المسام مسريا في
الخلاء رعدة قاتلة، كل هذا اللمعان على شفتي الحقيقة مثير للإحباط، الآن لن تملك الا أن تكون، في تلك اللحظة، لحظة
تماس الأكاذيب بالحقيقة. اضطربت شدة كل شيء، إشتد إشعاع الخلاء، تضخمت الإرادة الى مستويات خطرة، تفتحت
عيناها جنتي جن جحيمية لعينة.. “يا للهول!، لا استطيع تحمل كل هذا!”، فر هاربًا سارقًا قبلة ميتة، ركض بأقصى ما يملك
من سرعة فعِ ثر ساقطًا من شدة الهبالة.. للوراء إلتفت باكيًا جزعًا ومحاولاً النهوض بصعوبة، ليجد أن الوادي قد إختفى
تمامًا.. إمتد خط السطح القديم ليجعل كل شيء مسطحًا بطريقة مملة.. وحبات الحسرة الدقيقة قد خنقت كل شقيق أمل، كانت
هذه التجربة قاسية للغاية.. لم يكتب نصًا، لم يسرق نصًا عاديًا، كانت هذه هي المرة التي سرق فيها قصيدة.
مرت حادثة وادي البكاء، و تناقص الضياء في الخلاء رجوعًا الى مستوياته العادية ، لكن الإنخفاض إستمر ببطء الى
مادون العادة ايضًا، سَّ ب َ ب هذا الكثير من المشاكل، إرتفعت درجات الحرارة، كما تقلصت الأشياء وإنحسرت أعدادها مع
الوقت، ولم يهطل الدهش من ذلك الحين، مما جعل مخزونه ينفذ بوتيرة خطيرة مهددًا الجميع بالفناء ضجرًا. وحده السراب
الراقص ذلك الذي يستطيع الإتيان بخلاص أطراف الخلاء القاصية من مللها القديم، حدق الكاتب قي الافق البعيد..
“بوريديوس” قال هامسًا.. ومنذ تلك اللحظة وهو يجول هائمًا..
الأمور صارت مختلفة جدًا الآن، إزدادت سوءا، في هذه الأثناء تذبل الإرادة ويغطي الغم القاتم معظم الأفق،
تختفي الاشياء عن السطح خالدة الى ما يشبه السبات العميق. ربما الأمر فارق قليلاً، ال ُ سبات هنا قد تكون كلمة مضللة،
مثلما تعني النوم العميق المتواصل، قد تعني ايضًا الموت.. البعض يسمي الظاهرة “كسوف نجم الذات”، ربما لأن الاشعاع
الشديد المزعج يخفت بصورة متعبة مضطربة، لا احد يدري تمامًا ما يجب فعله، فقد لا يستطيع الخلاء تجاوز هذه المرحلة
الى الأبد، الآن لن تستطيع الا ان تصلي..
“إن إرادتي تعبة بشدة، لماذا لا أجد ما اكتبه؟”
“لماذا كل الحسرة و السوداء على قلبي؟”
سقط الكاتب على الارض مفرقًا أطرافه بعدل على الخلاء..
“هل أنا كاتب حقاً؟”
ممددًا هناك مكث لوقت طويل جدًا، اذا كانت الاسطورة صحيحة فحتمًا ستكون كرة الذات الآن أشبه بهلا ٍ ل جنيني ينحسر
نحو البدايات. إن هذا هو اسوأ تغير مزاجي مر به الخلاء على الإطلاقً، لا أحد يدري، قد تكون هذه هي النهاية. إحتشدت
كل الاشياء ومخلوقات الخلاء حول الكاتب في دائرة عظيمة، يبدوا عليهم جميعًا رهق الشفقة والخوف الشديدين، لكنه لم
يحرك ساكنًا أبدًا وأصاب وجهه شحوب لا مبالاة شديد، فقط يرقد هناك بهدوء مرعب يحدق في جوف ذاته بلا جدوى،
قارب الضياء على الانطفاء، ربما هذه هي النهايات الجزعة.
مع بداية المغيب الأحمر الحزين قطع عاجلا صفوف الاشياء البائسة شيء ما، هرول سريعًا نحو جسد الكاتب، “هل تكون
أميرة البكاء؟ هل ستعطيني قبلة الحقيقة المطلقة؟” صفعه الشيء صفعتين مدويتين، لكن دون ان يجدي نفعًا، نهض مرتلاً
ترانيمًا غريبة بعصبية ارتيابية، صفعه مجددًا صارخًا “اكتب”، صفعه مرارًا وتكرارًا مرددًا “اكتب!”، “لماذا لا تكتب؟!”،
لكن الكاتب بقي على حاله جثة هامدة.
سقط بوريديوس على وجهه صارخًا بعويل مزعج متواصل وضاربًا يديه و رجليه بالارض بهستيريا طفولية.
صرخ

ميلاد معطوب
عبير كمال عباس محمد خير – السودان

كانت درجة حرارة ذلك اليوم مرعبة جدا ، والشمس تتحرش بصدر السماء وشهر مايو يتوعد بالكثير .. وعندما قلت أنها مرعبة جدا فهذا لأنها مرعبة حقا .. خصوصا لإمرأة لم تتجاوز الثلاثين كان كل شيء في حياتها يغزله الحظ السيئ لذلك تعود جسدها علي إرتعاشة من القدر ! .
وهي تمر مجتازة نصف (السوق العربي ) حيث تتعالى أصوات الباعة والمتجولين ،توقفت لحظة لتبلل حلقها برشفات ماء بارد من أحد الصغار الذين يحملون باقاتهم ليجوبون بها وأحيانا باقاتهم هي من تحملهم نحو مصير مجهول . أعطاها الكوب بشئ من اللباقة ، فلاحظت وهي تأخذ رشفة سريعة ذلك الأصبع الزائد على يده اليمنى .. تلعثمت لغة عينيها وهي تحدق مليا في وجه حاولت أن تتخيله منذ زمن ، وفي لحظة أحست فيها أن الأرض توقفت عن الدوران مر شريط أحد عشر عاما أمامها ،رأت نفسها وهي تضع طفلها أمام باب إحدى المنظمات الخيرية.. طفلها الذي لم تفارقها ملامحه وخصوصا ذلك الإصبع السادس على يده التي بترها الحرمان منذ زمن .
إنتقلت من حر الخرطوم إلى صقيع الماضي وهرولت بخطى مجنونة إلى حيث لا تدري , فقد غيرت رؤيته وجهتها فهو ضيف الطريق غيرالمنتظر ومزحة القدر التي لا تحتمل ، هو ذلك الجرح الناتئ الذي يغزل كل مدارات إحساسها . أيقظها صوته وهو يناديها (يا والده!! يا والده ، الباقي)!! وإخترق صوته مدمرا كل بناء كيانها .
لا لم يكن هناك باق من نقود ، بل كان هناك بقية قصة لم تكتمل معها ، ألم يكن يعلم القدر أنها الإنسانة الأكثر خلاصا من البقايا ؟! لم تتوقف عن الركض حتى إمتطت الحافلة وهي تشعر أن الجميع يناظرها بعين السخط ويشيرون إليها بسبابة الإتهام ، ظلت تبكي حتى ترجلت عن الحافله وإلتهمت بقدميها الملتهبتين خمس شوارع بلحظة واحدة ، ولم تطلق عنان زفيرها المذبوح إلا وهي تمزق ملاءة السرير بأسنانها وتخاطب أحزانها مستصرخة أنّ الحياة ليست عادلة . هي التي دفعت ضميرها ثمنا لأخطائها الباهظة أدركت وفي ذات يوم أنها فكرت بكامل الأنانية ، فحين وضعته على عتبة الحياة كانت تدرك أنه قطعة منها لكن خوفها من المجتمع كان أكبر من حجم حبها لهذه القطعه الصغيرة منها التي ظنت هي أنها لن تكبر يوما .. ترى هل كبرت دنياها ففقدته داخلها أم ضاقت فأجبرتها على التنازل عنه ؟! أجل خافت على نفسها من نظرة المجتمع، من وصمة العار التي ستلحق بأهلها كانت تخشى أن تنقصف أحلامهم التي يوارونها مزراب فخرهم وإعتزازهم بإبنتهم ، تلك الأحلام التي يرون أن ما بينهم وبين تحقيقها عامل وقت وعامل صبر .
تجردت من عباءتها لتستسلم للنوم علها تدخل بغيبوبة أبديه ، وتوسدت البؤس الذي يحيط بها كونها إمرأة .. أي أتفه أدوات المجتمع في نظر المجتمع ذاته ! . ولا زالت تذكر رغم اتحاد المسافتين الزمانيه والمكانيه في آن واحد ، رجلا ما حين أحبته رأت في كل مسافات العالم التي تبعدها عنه عذرا في الأقتراب منه أكثر .. كانت تحدها حدوده ، تضفي عليها رؤيته جمالا ومزيدا من اللامبالاة . ذات وجعة إلتقيا فظنته الرجل الذي إعتكفت لأجله ولم يكن سوى محرر عقلها وجسدها من عقده وأوهامه الرومنطيقيه ، كان يقترب منها دون أن يتأّذى يترصدها عند مفترق مجونها المتكرر ولا تنكر هي أنها ضعفت أمامه مرة واحده فعاقبها عليها القدر عقابا عقيما لا تولد من رحِمِهِ رَحمَه ، عقابا جعل طوابقها مشحونة بالندم وما إن أخبرته أن ضيفا ثقيلا يسكن أحشائها حتى تنهد في وجهها تنهيدة رحيل ، فهو كالعادة رجل -سوداني بحت- وهي إمرأة تتهاوى صلابتها مع كل لحظة خوف ، وتلك الروح التي نفخت بداخلها أسكتت رفيف أوراقها وحرمتها من كل شئ ، وشريك الجريمة ترك لها حرية التصرف داخل سجن من الأسى فكان هو النصف الأناني وهي النصف المضحي وضاع في خضمهما طفل نضب معينها من فراقه .
فكرت أن تعود وتسأل الطفل من أنت ؟ ولكن هل حقيقة سؤالها من أنت أم أنا أعلم من تكون أنت !! ترى في رأينا من هو .. ذلك الذي نجده مرميا كقاّذورات المباني المتغطرسه ، عمره في هذه الحياة هو بضعة أنفاس ولو كان يعلم أنه سيعيش مختنقا حتى الأزل لتنفس وهو مغمض ، من اين جاء ؟ أمن مجتمع تعيش فيه الرزيلة بإطمئنان وتحلق في السماء لترتد فوق رؤوس اطفال أبرياء خاسئة وهي حسيرة .
شعرت بأمومة غامضة تجتاحها فجأه ، لم تستطع محاسبة نفسها ففي ظنها أنها وفي ذاك العمر لم تكن آراءها ناضجة بما يكفي ، وتلك الهواجس التي كانت تلاحقها والتي لا تتماشى مع المبادئ والأخلاق كانت تأخذ مساحة ثقتها بنفسها كافة . ألقت كل اللوم على الظروف ، على أمها التي لم تملك الجرأه لتقف بجانبها وتنصحها القت اللوم على وسائل الإعلام الحقيرة على أسرتها المفككه التي لم تشبعها بعاطفة كفاية لتملأ الخواء الذي رافقها ..
لذلك كانت تدرك ملء اليقين أن تنازلها عن الطفل كان الحل الأوحد ، ربما في ربيع عمر مضى .. لكنها الآن تريده ، تريده أن يحدثها عن حياته العليله وكيف مرت به أحلام الطفولة ، تريده أن يحدثها عن الشوارع التي درس فيها فن الأجرام وصار دكتورا في التسول ، عن المجاري التي كانت مأواه الدائم وكم مرة نام فيها مضروبا بسياط الجوع !
تريده أن يحدثها كيف صنع من اليأس مناعة ضد الأحلام ومن الفقر مناعة ضد الإيمان ومن اليوم مناعة ضد الغد .. كانت تود لو أن ما حدث لم يحدث فليت كل الذي لا يكون يكون ، فويحها من فراق كانت تحسبه وهنا .
فما ذنبه هو حين وضع تحت مداس الحياة عنوة ولم يأخذ أحد بيده في خطوته الأولى ، ما ذنبه إن كان في بيته آلاف الأخوه هم من نفس الجسد الذي يخلو من العقل والقلب والحواس ، ما ذنبه إن كان وجوده في الدنيا على شكل خطيئة ، من هو أهو إنسان أم بقايا إنسان ؟! وكيف سيصبح إنسانا وهل يصلح رحيق النبتة الفاسدة ! .
هكذا قلبت حياتها رأسا” علي عقب و قد مر الزمن بسرعة ولم تكن تدري أنّ عمرها كان رهين هذه اللحظه، و ما كان يجعلها تعتاش الخوف اكثر هو انه لن يسامحها حتي لو إحترق صدرها أسفا علي ما مضي فلا مساحات داخله للتسامح وقد إمتلأت دواخله بالنقص و توالدت الاسئلة عفوا في ذاكرته . هو الذي كان وجوده في الدنيا نتيجة عطر رجل رخيص ممزوج بأحمر شفاه امراة من طراز اللاوعي ، و هكذا حكم عليه ان يعيش في زنزانة تختصر وجوده في كيان من عدم ولزوجة حرمانه من إسم أب يلتصق بإسمه تثير شهيته للموت .
هو طفل و الطفل -في نظري -يعني وطن و ما أقسي ملامح الوطن بلا هوية ، ولا زال يحمل أكواب الألمونيوم و يصدر بها صوتا” يلفت إنتباه كل من جفّ حلقه و حلق طفل من جسد الخطيئة لا ترويه الا الدموع ، هو الذي إنتظر شهقت الصباح لتكون ميلادا” لأفراحه و احترف صياغة حياته لتكون جديره بحملها طالما تحمله الحياة ! هو الذي عندما نتالم يقول للألم مرحبا” بك مثني وثلاث و رباع.
تآكلت اطرافها حيره هل تتحقق ان من رأته هو طفلها هي ؟ وأن من روى عطشها هو نفسه الذي أرته الزلال حنظلا في ذات يوم و حرمته من كل شئ ولم يكن بينها وبينه حتي رضعة مشبعة . وفي عالم ما وراء الالم طفقت تبحث عنه ، تساءل كل الذين وجدتهم هناك أطفال و بالغين أخرجتهم الحياة من رحم ذات الزمن العربيد ، أحست للحظه أنها أمهم كلهم وأنها تزوجت القهر فأنجبتهم .
خرجت في صباح اليوم التالي تقود نفسها إلى حيث لا تدري وبدأت تهيم من شارع إلى شارع ومن حافلة إلى أخرى حتى أدركت السوق العربي وبدأت تتفرس في وجوه باعة الماء دون أن تعثر على بغيتها ، حتى شعرت بكفّ تطرق باب إحساسها وصوت من الخلف يقول :
– أبك شئ يا خالة ؟
أتاها سؤاله على غفلة من تماسكها أمام نفسها وأمام خوفها من كل ما ستحمله رياح الماضي من خراب لعالمها ..
– لا شئ ولكن أخبرني ، هل تعرف من تكون أمك ؟
– أجل يا خاله ، أمنا حواء و أبونا آدم ، أنا وكل الأولاد الذين في الشارع.
– بربك أخبرني ما قصتك ؟
– لم يجدوني بين الأوساخ ولا في الخيران ولم تشوهني أسنان الكلاب ولم تدهسني سيارة ما علي قارعة الطريق، بل وجدوني أمام دار الرعاية الذي هربت منه قبل سنوات . “أردف مدهشا”
– لماذا تبحثين عني ؟
– جئت لاّخذ الباقي !!

بحرٌ في ثُقْب إِبرة
محمد النورانى الحاج عبدالمجيد – السودان

سأموت خلال يومين أو ثلاثة من العطش, إذا كنتُ حسُنَ الحظِّ ولم تصادفني الذئابُ, أو تلدغنى الحيَّاتُ, سأتدثَّر منها بالعواصف الرملية, الرياحُ وحشيةٌ في الصحراء ليست نسيماً يمحو الكآبات, بل ضلالاً يطمسُ آثاري على الرَّمل فلا أعرف مِن أين أتيت, الرياح تصنع سيناريوهاتٍ مُصغرةً ليوم الدينُونة, من العدم تخرجُ علينا كراقصةٍ يتجاذبُها إيقاع الزار ونُزولُ العفريت, طربُوشها السماء نفسُها, وذُيول ثوبها تصفع وجهي برمالُها الدقيقة, تكمل رقصتها ثمَّ يبتلعُها الفراغُ مرة أخرى.
في كل يوم كانت تتوقَّف العجلاتُ لوُعورة الطريق, نغادر صوب موقع العمل, على رأسي يلتفُ شالي ببُقَعه السوداء والبُنيَّة مثل أفعى عاصِرة. عمامةٌ أو غمامةٌ تحول بين وجهي وشمس الصحراء التي لم تُجعل برداً ولا سلاماً, منديلٌ يشربُ عرَقي. و سجادةٌ للصلاة متى ما أدركتني ركعةٌ, أو وسادةٌ نحو النوم, متى ما حلََّتْ بي غفوةٌ. قطرة أنا في هذه الصحراء, لاشئ أنا, يكاد يكون لي لون الرمال أو قل لون قطعان الإبل التي تشاركنا السموم والعطش, أنظرُ إلى يباب كئيب من حولي فأصاب بالهلع, تغزو نفسي كآبةٌ كمَن غادرتْه حبيبة, أشدُّ ذيل الأفعى على وجهي لثاماً وخيمة تخفي خلفها فمي الذي أصابه الجفاف.
بحر أنا في ثقب إبرة, تنشبُ داخلي حروبٌ بين وحيدات الخليَّة لا تعنى سواي, مضت أربعة أسابيع وأنا أمدُّ جهاز كشف الذهب أمامي, ككلب شُرطي يتحسس الرمال, في أذني السمَّاعاتُ ترقُبُ الأزيز المُمل, بيب بيب بيب, أحاول أنْ أستدعي الأزيز الذي أصدره عندما كان في يد البائع, عندما سلخ ورقة قصدير من غطاء علبة السجائر وفركه بين أصابعه ثم خلطه بالتراب, مرر الجهاز عشوائياً حتى توهج مصباحُه كسجارٍ في رمقه الأخر, غرفَ حِفنةً من التراب وراح يهزُّها, بعد ثوانٍ ظهرت العُلبة, مرَّر علينا الجهازَ واحداً تلو الآخر, بعضنا نجح في العثور عليها وبعضنا فشل.
على كل حال, المال أرزاق كما يُقال, حذرنا أن ندل عليه الحكومة إذا أُلقي القبضُ علينا, لأنه سينكرنا حينها, ثم أردف أنَّ له صِهراً في منصَب مُهمٍّ يشاركه هذه التجارة.
بدأتْ حُمَّى الذَّهب منذ أشهرٍ في الصحراء غرب الخرطوم, تدافع المئات ثم الآلاف, إختفى ماسحو الأحذية وتكدست القمامةُ في
الشوارع القذرة أصلاً إذ لم يَبقَ أحد, كلُّ صبي نمتْ ساقاهُ وخطَّ شاربٌ من عنفوانٍ على شفتِه العليا, اشترى مِعولاً وجاروفاً وسافر,
توقفت المباني عن النمو, البعض استعان بالأثيوبيين والإرتريين من المهاجرين الذين يُقيمون في أطراف المدينة فحلُّوا محلَّ عمالتها في الحُقولِ والشوارع, بل وحتى في السُّجون وأقسام الشرطة, بدأ الضباط يحتاجون إلى مَن يُجيد الأَمْهريَّةَ في تحقيقاتهم.
كُنَّا نذهبُ غرباً مبتعدِينَ عن النيل ومقتربينَ نحو )تشاد(. خمسون كيلو متراً فمئة, ثم كل شهر تزداد مسافة الرحلة وتزداد أسعار المياه والخبز, البعض قال إنَّه شاهد أفرادَ حركاتِ التمرُّد المُسلَّحة, آخرون قالوا إنهم قوَّاتُ مكافحة التنقيب العشوائي. لم تكن لدي أيةُ نيَّةٍ أن أفكَّرَ في أيٍّ من هذه الاحتمالات. فقط تشغل بالي بقرتان إحداهما يجري خلفها عجلٌ مشاغبٌ وخمسة أفدنةٍ تنتهي عند الجرف هي ميراثي من والدي ودموع أمي الصامتة وشِجارٌ مع أشقائي هي ما كلَّفني جهاز الكشْفِ عن الذَّهَب. أذعرتني فكرة أن ينتهي كل هذا للمصادرة, سمعتُ الشائعاتِ عن ضابط الشرطة الذي سكب برميل الماء من المعدنين في الأرض فتناول أقربهم جاروفاً ومزج الماءَ بدماءٍ حارَّةٍ من عنُق الضابط قبل أن يهرُبَ الجنودُ.تشاغل من هواجسي باليومي, بمتابعة أخبار
كشوفات المناجم الجديد, وآخر صيحات الأجهزة, وأسلي نفسي بشكل بيتنا العتيق حينا أعود وأكسو سوره بالسراميك و الألون. عُدتي بسيطة, في جيبي قِنِّينةُ الزئبق وقدَّاحة, أُصفِّي بهم الرِّمالَ الدقيقة بقطعةٍ مربَّعة من الكِتَّان, يخرج الزئبقُ من أسفله ساحباً معه كلَّ شئ إلاَّ الذهب, أشعل القداحة فيتبخر الزئبق, تتبقَّى حباتٍ بحجم الملح صفراءَ كشمسِ الصباح. يُسمُّونه الماء الملَكيَّ, لكن المصيبة أنه لا يصلح للشُّرب.
تغيب خيام معسكرنا المؤقت في جوف الريحِ وكشراعٍ أنكفئ على نفسي ويلفني ظلامُ العاصفة, لا أكاد أُبصرُ يدي وتزول خطواتي على الرمل كأنني لم أكن هناك, تزول خطواتي كما زالت البقرتان والعنزة وأراضي الجرف ووجهُ أُمي الجزِع وهي تنحني خلفي لتقبضتْ من أثري ثلاث خطوات وتصُرُّها في منديل علَّقتْهُ على باب الدار ونادت بجاه نبي الله وأوليائه الصالحين أن يردني. الآن رفعت رأسي إلى السماء أنادي, فطُمِستْ النجوم كأنه يوم الدينونة.
في كل يوم نتوحَّدُ مع هذه الصحراء, تجفُّ جلودُنا وتتشقَّق أرجلُنا, نُصبح أقسى وأكثر هلعاً, نعثر على عِرقِ ذهَّبِ مرة كل شهرين. البعض يكتفي بحصته ويرجع إلى المدينة, لكنَّ بقيَّتُنا توغَّلَت غرباً, صرنا أكثر قسوةً, ماتت قلوبُنا حتى جاءت أخبار الكارثة مع سائق شاحنة الماء, سوق الصاغة لا حديث له إلاَّ عن اثنتي عشرة جثة, كانوا يخيمون أسفل تلٍّ, يرقصون وينفخون الأعشاب المخدِّرةَ, عند الفجر هجمت عليهم أربعُ سياراتٍ, لم تكن لبندقيتهم الوحيدة والعتيقة أن تعصمهم من مدافعَ رشَّاشةٍ لمقاتلين مُتمرِّسين, أخذوا أموالَهم وما بحوزتهم من ذهَبٍ وهواتفَهم وما هو أقيم, أربعة براميل كبيرة من الجازولين, عندما عثر على جثثهم, تبادل المتمردون والحكومة الإتِّهام في البيانات الرسمية. المتمردون قالوا إنَّهم جنود الحكومةُ والحكومة اتهمت
بدورها المتمردين, لم نكترث, هي ذات البندقية المحايدة تجاه الموت, فقط أصبحنا نخرج في جماعات أكبر, اشترينا من البدو أسلحة أخطر, نستخدم هواتف خلويةً تعمل بالأقمار الصناعية, نربطها في أكياس وندفنها تحت أسرَّتنا, لم نُدرك أننا أدخلنا الغُولَ إلى دارنا بأيدينا.
أوَّلُ نزاعٍ كان على حصة الماء اليومية, نزاع آخر على حفرةٍ بدأها شابٌ من أبناء الريف ويئس مبكِّراً فتوقَّفَ عن الحفْر. بعد يومين حفَرَ كهْلٌ مقدارَ لحْدٍ فلمَع تحت مِعولِه عِرقُ ذهبٍ, )مَن يجدْ عِرقَ الذهبِ فهْوَ لهُ( هذا قانونُ الدَّهَّابة. تشاجرا, لطم الكهلُ الشابَّ, هجم أقرباؤُه على الكهل, ثم تدخَّلت البنادقُ المحايدة, هكذا ركضَ كلٌ واحد منا في اتجاهٍ, الرصاص الذي يصفِّرُ بالموت جوار أُذنك ليمنحك محاولةً أخرى للحياة, ثم تحتشد الرمال في الافق, فيستحيل مرأى الصحراء, أركض عائداً نحو السيارة, أتعثر,
أنهض من جديد, أتعثر, أستلقي دون حركة, أتنفَّس بصعوبة مِن تحت وشاحي, أنحني للعاصفة. أفيق, مازالت العاصفةُ هناك لكن لا سيارة ولا رفاق, فقط تهبُّ من كل الآفاق. أحاولُ طرد الخاطرةَ المرعبةَ, أحدِّق في الشَّاشة ثُمَّ في الأُفق, لا أملَ يومئ في كلتيهما, ظلاماتٌ بعضُها فوق بعض تبتلعني منِّي, العاصفة والليل, هواجس ما مضى وما سيأتي, أسئلة معنى وجودي في هذا المكان بالذات, هاتفي يكاد يفقد الوعيَ وهو يلهث خلف
وقراها غرب النيل, لكنها ,» عطبرة « سراب إشارة الشبكة الضعيفة. خط وحيد يروح ويجئ, أعلم أن خلف هذه الكثبان الرمليَّة تبعد عني مئات الكيلومترات, ربما أقل, ربما انا أقرب الي الخرطوم لكن لا أعرف أي إتجاه يجدر بي ان أقصد لأنجو, لوكنت أعرف لركضت حتى أبصر الأضواء الساهرة وأبراج الاتصالات التي تنبض بلا توقف والطائرات التي تسعى ليل نهار, آهٍ لو نجوتُ حتى الصباح, سأذهب شرقاً, أَنَّى انتهتْ خُطاي سيصدُّني النِّيل, سأتشبَث به مثلما تفعل الخرطوم أو عطبرة أو حلفا. مدائنن تتشبَّثُ بالنيل حبلُها السُري حتى لا تدفنها الرمال, أنا لست مدينةً وليست لي جذوعٌ في هذه الأرض, هربت من البقرات والأفدنة من – –
قبلُ وسأهرب اليوم أيضاً, هي أوتادُ خيمةٍ سأنتزعها متى ما رأيت ذلك. سأصل الخرطوم, أبيع حَصِيلة رِحلتي في سوق الصَّاغةِ ربما أستخرجُ جوازاً وأهرب مرة أخرى, قد أخوض غمار المتوسط على ظهر قارب مطاطي, أو ربما تعلمت فن الحياة كما أتقنته تلك المدن التي قاومت الترك و الانجليز و المجاعات, سأكتب ملحمتي الأخيرة مثلها, لن تدفنني الرمال ولن أكون رقما يضاف إلى قائمة المفقودين, لي ذاكرة تحدق إلى الغد , قطعا لن أموت هنا, في هذه النقطة المنسية بالذات, لن تَفقدني هذه الصحراء عندما اغادرها بلا رجعة, ولن أفتقدها, أهرب لا خوفا منها ولكنَ قلقاً ما يسكُنني, فإنْ كانتْ رمالُها زبداً وكثبانُها أمواجاً فأنا أضطّربُ مثل البحرِ داخل ثُقبِ الإِبرة ذاتِه.

أوراق النعناع
ندى احمد عبدالعزيز الابحر – مصر

بالأمس وعلى غير العادة، قررت استقلال حافلة عمومية كنوع من التغيير، أو ربما هروبًا من الروتين اليومي، وعندما صعدت كان عليّ الانتظار بضع دقائق حتى تكتمل المقاعد بالركاب، الجو كان عاديًً وفاترًا ولا شيء فيه البتّة، يبدو أن الروتين يلاحقني أينما ذهبت!
حتى أتت سيدة لتجلس بالمقعد المجاور، ترتدي قبعة غريبة، وتمسك بحزمة من النعناع، وتتناول ورقة وتمضغها كل حين في توتر.
ظللت صامتة مسددة نظرى لما وراء النافذة، متطلعة للأفق.. والعجوز تخبرني في أسى وبمنتهى الجدية أن كل شيء لم يعد كما كان، حتى النعناع صار ذا نكهة لدنة، و ليس له أى طعم! أنظر إليها متصنعة التأثر، مانحة إيًها إيماءات إقرارًا بما تقول، وأعود للصمت.
حينها لكزني برفق في منكبي شيء ما، وعندما نظرت لم تكن هناك سوى طفلة.. طفلة لم تتجاوز التاسعة من العمر، بشرتها بيضاء شاهقة ووجهها منير كالبدر ولكن ملامحها لا تشف عن أي شيء؛ عيناها زجاجيتان ثابتتان، وشعرها طويل ناعم ومرسل ورائها وممتزج الألوان، فستانها أبيض تتخلل أنسجته بعض الاتساخات، وتمسك فى يدِها
دمية، وتطلب منى الشراء! أخبرتها أننى لا أملك نقودً ا وأشرت لها بالابتعاد، ظلت تلِّح هي فى الطلب و ألحّ أنا في الرفض، ولكنها استثارت بداخلى عاطفة ما، ربما شفقة على حالها أو إعجابًا بجمالها الطفولي المبهر.
ورغم أنها لم تتحدث عن فقر أو حاجة، وجدتني أخرج من حقيبتى ورقة نقدية ذات فئة كبيرة وأعطيها إيًها، أخذتها هي دون إبداء أى تعبير، وأعطتني الدمية التى كانت على شكل فتاة جميلة، تشبهها تمامًا.
أمسكت الدمية بحرص بالغ، وأخذت أتابع سير الفتاة البطيء، ثم واصلت نظرى لما وراء النافذة، وبعد لحظات شعرت وكأن دموعًا ساخنة تنساب على أصابعي، وحينما التفت إلى يدي وتحسستها لم أجد شيئًا!
ولكن لفت نظري ملامح الدمية، كانت تبدو حزينة وحانقة، كأنها كانت تبكي توًا!
حينها صرخت فجأة العجوز صاحبة النعناع: “أن كل شئ لم يعد أبدًا كما كان”.

بدون عنوان
ابراهيم عثمان احمد – تشاد
جَحظت عناه … ضاق صدره… تيبست أطرافه … كانت آخر لحظة له في الحياة …شهق شهقة الموت … سالت أم الكبائر من فيه.
# # #
كانوا هناك … في حانة الأحلام … دارت الكؤوس … اختمرت العقول … لم يابهوا به بل لم يابهوا بأنفسهم حتى… تعالت الأصوات بالهزيان … يتمايلون …يضحكون وبراءة الأطفال تملأ أعينهم !!
# # #
كان أول من أفاق … اصطدم بجثة صاحبه… فزع من المنظر وكأن برمیل ماء بارد سكب عليه لأول مرة … نعم.. كانت المرة الأولى التي ترى فيها عيناه جثة … جثةٌ …كان صاحبها يضاحكهم قبل قليل … لم يدرِ ما يفعل … انتابه خوف شديد… أسرع إلى .. السيارة … قفل راجعا إلى بيته الريفي … أغلق الباب على نفسه استلقى على السرير ..محاولا نسيان هذه الصورة .
# # #
قام من نومه في منتصف الليل فزعا… أبعد الغطاء مسرعا من على جسده… لم يشعر ..أحمد إلا وقد انتصب على قدميه … اتجه بكل اهوجاج إلى الباب … فتح الباب … فتح الباب وخرج … ما كان يدري إلى أين يتجه…ساقته قدماه على جناح السرعة إلى الغابة… الى هناك … إلى تلك الطريق التي لم يعهدها … جرى أحمد… جرى بكل ما أوتي من قوة… تطايرت الدموع عينيه هو نفسه لم يشعر بذلك ، بَيدَ أنه وجد في نفسه رغبة ملحة …على الجري والبكاء… آه… سقط إثر تعثره بجذع… الظلام دامس… أغصان الأشجارمتشابكة… لا یَسمع إلا صوت تَنهضه… فكر في النهوض… إذا بید تمسكه لتجبره على
الوقوف… وقف أحمد متحیرا في الذي حدث… لم یرَ أحدا… سمع صوتا يناديه … التفت يمنة ويسرة فلم يبصر لحلكة الظلام… أنصت مليا ليحدد اتجاه الصوت .
# # #
) أحمد… اجرِ يا أحمد… (كانت هذه العبارة بمثابة ضوء أخضر لعينيه فقد كانت من ابن جنبه الأيسر… شعر بالذنب… ضاق صدره… بكى بكاءً مريرا… تابع الجري وهو لا یرى أمامه فقد ملأت الدموع عينيه… اجتاز الغابة… اصطدم بالدرج… وضع يده على مقبض الباب… آه.. فُتح لوحده !!
# # #
دخل المسجد دون وعي… وقعت عينه على لوحة مكتوب عليها : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة لله إن لله يغفر الذنوب جميعا ) .
خر أحمد ساجدا لله .. أجهش بالبكاء … بكى طويلا .. لا يعرف ما يقول للهعز وجل حياء منه .. ولكنه ظل على هذه الحال ! !
# # #
فتح المؤذن المسجد للأذان الأول… تفاجأ بوجود شاب ساجد عند الزاوية… لم
يكترث… أذن المؤذن… أنهى الأذان والشاب لم يرفع رأسه… اقترب منه تحدث إليه ليشعره بوجوده… لم يحرك ساكنا… وضع يده على كتفه… وقع الشاب على جنبه الأيمن جثة بلا روح !!!

عدل الاشهاد
روان بنت عبد الفتاح بن عيسى بنرقية -تونس

كتب يا عدل الإشهاد… أنا فلانة بنت فلان… علن اليوم قبولي الزواج بفلان…
وتنظر الفتاة المغمورة بالسعادة والإثارة إلى الرجل الذئب القابع إلى جانبها ويحرص هذا الأخير على اصطناع الابتسامة العريضة و يرمقها بنظرات وديعة ليحفزها على المضي قدما في إمضاء صك الشراكة..وهي…ببراءة الأنثى المتشوقة إلى التغيير… إلى الخروج من سلطة الأب ونمطية الحياة العائلية..بلهفتها إلى تكوين عائلة والإحساس بالاستقرار …تمضي الصك…
كتب يا عدل الإشهاد.. أنا فلانة بنت فلان…بنت فلان…سأترك اليوم هذا الفلان الذي هو أبي..الرجل الوحيد في حياتي الذي لم أشك ولن أشك يوما في صدق مشاعره تجاهي…الرجل الوحيد الذي لو تركت العالم بأسره ولم أخلف ورائي سوى مرارة الغياب لما غبت يوما عن ذاكرته ..و لباع ما تبقى من سنوات عمره بأبخس الأثمان ليقتفي أثري…اليوم سأترك هذا الرجل الشهم الذي شاهدني أنمو و أتغير مع الأيام حتى أصبحت اليوم امرأة مكتملة الأنوثة والعقل ..امرأة مسؤولة تعود إليها وحدها مهمة اختيار طريقها في الحياة..و اتخاذ القرارات ..
فكان أول قرار اتخذته هو الابتعاد عن الرجل الوحيد الذي لا مصلحة من وراء حبه لي سوى السعي لمزيد من الحبو والإرتماء في أحضان رجل غريب عني..غريب عن ذاكرتي..عن تاريخي..غريب عن أفكاري ..عن طموحي وعن رغباتي.. رجل لا يعرف شيئا عن جنون طفولتي و تمزقات مراهقتي و حكمة شبابي و عن مرضي و عن تعبي وعن سهر الليالي …رجل غريب عن دنياي..
كتب يا عدل الإشهاد.. كتب ولا تتردد..فأنت من يحرر لنا بطاقات الإيداع تحريرا رقيقا يحيط به الهتاف والضجيج البشري المقيت الذي لا معنى له حتى لا تجرح مشاعرنا… كتب.. أنا فلانة بنت فلان..سأترك اليوم المنزل الذي احتمل جنوني وتمردي وصراخي وجموحي ودموعي وعبث كل مراحل حياتي لأذهب إلى منزل لا يعنيني لا توجد على حيطانه صور عائلية بسيطة كتلك التي أبدو فيها غاضبة بدون سبب أوأكون فيها مغمضة العينين ..دون سبب أيضا…سأذهب الى منزل لا رائحة فيه..لا أشم على حيطانه سوى رائحة المسؤوليات و الالتزامات والواجبات الزوجية والتضحية في سبيل الجميع دون مقابل …
تبدأ المأساة بهاجس..بفكرة..بحلم بائس ..
ينتهي الصخب..ينتهي الضجيج..يعود الجميع إلى بيوتهم..
كيف كانت ليلة زفافي؟ ..كانت ليلة…لا أعرف كيف أصفها..بل لا يمكن ان أصفها..فلم تكن ليلتي قط …كنت قطعة من الأثاث في قاعة العرس..كالعرش السخيف المضحك اللذي نتصدره لنثير انتباه الحاضرين..كالعمود الكهربائي الذي يبكيني بضوء فاتر أمام القاعة..كنت كالمهرج ملطخة بالأصباغ والألوان..لأبدو مفعمة بالحياة..قالت احدى المزينات..وكأنها تعدني لاستقبال الموت بعد ذلك..كنت كالمهرج..و ما فائدة ذلك ما دام يعرفني الجميع بدون أصباغ وبدون مساحيق ..ترهات وحماقات .. ألا تعرف هذه المزينة الخرقاء أن إرضاء الناس غاية لا تدرك..فإن بدوت جميلة بهذه الألوان فسيتغامز الحاضرون و لسان حالهم يقول…انزعوا عنها المساحيق وسترون…و إن لم أبدو جميلة فلن يترددوا ايضا ليقولوا …ماذا فعلوا بها؟؟ المسكينة..لو تركت بدون مساحيق لبدت أجمل ..والله ما أحلاها على طبيعتها….سبحان الله يريدون تغيير خلقة الله بكل الطرق..أستغفر الله…استغفر الله…
كيف كانت ليلة زفافي؟؟ ..كنت أنظر إلى الحاضرين ..وكانوا ينظرون إلي ..ببلاهة كنا نتبادل النظرات…بطريقة عجيبة..ربما بتعجب كانوا ينظرون..أو بتبسم.. أو بتشجيع.. أو باستلطاف .. أو…لا أعرف ..كنت أستغرب من جلوسي على مقعد عال، شبيه بالعرش…أ يغريني المجتمع على الزواج بمنافسة الإله ولو لساعات في عليائه قبل السقوط الأخير الى حضيض الحياة؟؟؟
كان الجو صاخبا جدا و القاعة غارقة في الضجيج والألوان ..كأننا في سباق إلى الجنون..او سباق إلى اللامعنى…باختصار كنت هناك..ولم أكن..
صرفنا الأموال الطائلة و قضينا الليالي نفكر في ليلة العرس وفي التحضيرات والزينة ..وشمس الصيف الحارقة تجلدنا بلا رحمة.. كنا نركض لنكتري القاعة ولدعوة المندسين والرعاع اللذين لا غاية لهم من وراء الحضور سوى النقد و النميمة والافتراء…كنا نركض بلا هوادة حتى غصنا حتى أخمص القدمين في الديون والمشاكل المادية وبد أ الجميع يتدخل ليبدي ر أيه ..وفتح الملف الذي لا ينتهي ..”الثلاجة من واجب الزوجة”، تصرخ أم العريس..لن تتزوجها إلا اذا اشترت الثلاجة..ماذا تحسب نفسها؟؟؟.. أميرة زمانها؟؟؟ ..هل ستسلمها السلطة منذ الان حتى “تمشي كلمتها عليك” ؟؟؟ على جثتي هذا الحديث… كل الفتيات مدللات و ابنتي ست البنات.. جمال و عائلة وثقافة وأخلاق عالية ..ما الذي ينقصها حتى لا يشتري لها سيارة كصديقاتها .. أمن هنا نبدأ؟؟؟..يتقشف عليها قبل الزواج ؟؟ كيف سيعاملها اذا لو أنجبا بعد ذلك اطفالا ؟؟؟ على جثتي هذا الكلام…تصرخ أم الفتاة من الضفة الاخرى لوادي الماديات التي ألقينا فيه ما كان يجب أن يبقى و انصرفنا الى الوهم والسراب.. ألقينا الحب والحلم الجميل و أروع ما في الذاكرة…نسينا كل ذلك في خضم صراعنا لإرضاء المجتمع ….حتى لا نكون بنظره مجرمين أو متمردين أو صعاليك أو جراثيم رمانا القدر في طريقه النظيف السوي..
الزواج…هذا هو الزواج في حلته الأصلية الحقيقية…مؤسسة فاشلة… تبدأ بانتحار مادي وتنتهي بانتحار عاطفي و نفسي وعقلي و جسدي…مؤسسة فاشلة تتكون من تقاليد سخيفة و ترهات بائسة لمجتمع يتعثر في الوحل…
مرت الأسابيع الأولى بسلام..بنوع من التحضير النفسي المحكم لرحلة عذاب لا أجل لنهايتها… كنا شخصين.. أنا وهو..كنت اتحمل مسؤولية نفسي و أفكر في طعامي و لباسي و حمامي ودروسي و أصدقائي وعائلتي و ألبس ما اعترضني من ملابس النوم حتى لو افتقرت الملابس أحيانا لتناسق الألوان فلا ثاني لي سوى جسدي أسكن اليه و أرتاح معه .. أنام بالطريقة التي تعجبني و أختار آلاف الأوضاع في ليلة واحدة و أتمتع بذلك الإحساس بحرية التمرد على السرير والتداخل مع أطراف اللحاف..لا عائق لي في عتمة الليل يشق عني الطريق ولا يد تمتد فجأة لتسرقني من أحلامي ولا صوت طائش يفزعني ولا حتى احتمال واحد لإمكانية مشاركتى رحلتي الليلية الهادئة مع مسافر ضال…
أصبحنا اليوم شخصين.. أصبحت أفكر فينا…في طعامنا وملابسنا وحمامنا و عملنا و أقتني ثياب النوم الجميلة لا المريحة حتى يخطفني شريكي الأزلي في رحلتي الليلية.. من أجمل أحلامي و من خيالاتي السارحة ومن أملي في إعادة استعادة حريتي التي سلبت بإرادتي…
في عمق الليل الجميل و هدوئه الممتد إلى آخر الكينونة يسرق أحلامي بهزة مفجعة و حركات طائشة مؤلمة فأتناثر شظايا بين الواقع والخيال و يتشتت فكري ولا أعرف ان كنت أحلم باني أغتصب أو أنني بالفعل… أغتصب …
جميل إحساس المشاركة هذا…منطق الشراكة غير العادلة بين زوج يعود ليجد سعادة البطن والروح والجسد حاضرة بين يديه..لا شيء ينغص عليه أيامه..زوج سعيد في حياته داخل المنزل وسعيد مع خيالاته و رغباته..خارج المنزل…و بين زوجة أصبحت تنسى عيد ميلادها فأجندا ذاكرتها ازدحمت بتواريخ الآخرين الغريبين الذي دستهم الحياة في حياتها عنوة.. فقط لأنهم توابع الزوج..
هذه الزوجة ستشتاق يوما لإحساس الأمومة…وليتها ما فعلت..
تبدأ المأساة بهاجس..بفكرة…بحلم بائس…
حل ضيوف جدد على حياتي..ضيوف يبدون رقيقين أبرياء في البداية …لكنها سرعان ما يصبحون كالدمل يلتصق بأجسادنا و يكبر معنا و يمتصنا روحا وجسدا و يتركنا أشباه أجساد و أشباه أرواح…هؤلاء الضيوف هم الأطفال..الأطفال زينة الدنيا ؟؟ أي دنيا ؟؟ وهل تبقى لنا بقدومهم دنيا ؟؟ أتسمون الحياة التي لا نفكر فيها إلا بالآخرين متناسين تمام النسيان حق أجسادنا وأرواحنا علينا دنيا ؟؟
لم يعد لي من الوقت ما يكفي لأدافع عن إنسانيتي ..للدفاع عن أنوثتي التي أصبحت تداس كل يوم بنعل من نعال الحراس اللذين نصبتهم بإرادتي على باب زنزانتي…أنوثتي التي أراها تذبل كل يوم حتى استسلمت للشحوب الازلي..لم يعد لي من الوقت ما أتذكر به أنني كنت أحب الكتابة و الاستماع إلى الشعر والرسم والعزف على البيانو والعدو في طريق الجبل ..لم يعد لي من الوقت ما أتذكر به أنني أعيش من أجلي و أن هذه الحياة هي قبل كل شيء حياتي ..ملكي…قبل ان تكون ملك الآخرين…
أصبحت أعيش من أجل أربعة اشخاص و أفكر في طعام الجميع ولباس الجميع و دروسهم ودوائهم إن مرضوا و أعياد ميلادهم و اصدقائهم و أنا ؟؟… أنا لا أعدو ان أكون مطية يمرون من خلالها الى السعادة ..الى المستقبل..الى الاضواء..ولست أتذمر فهؤلاء هم أبنائي ..قطعة مني..لكني لم أعد قادرة على التوفيق بين جميع متطلبات الحياة وتناسيت نفسي نهائيا ..ما عاد لي أصدقاء.. أضعتهم جميعا في مفترق الحياة..و لم أعد انتظر عيد ميلادي كما في السابق أملا في أن يفاجئني أحدهم بوردة حمراء فارعة الطول تذكرني بنفسي..بل أصبح ذلك اليوم هو أتعس ايام حياتي أتمنى فقط لو يقع تجاوزه أو حذفه نهائيا من رزنامة الأيام..فقط لأن إحساسي فيه بأنني لم اعد أوجد يتضاعف ويشتد…و أحتمل رغم ذلك لأنني أعيش عواقب اختياري…لم يجبرني أحد على الدخول في هذه الدوامة المقيتة …وحدي شيدت أسوارها.. وحدي حبكت خيوطها ..و من جسدي خرجت مخلوقات عجيبة تستنزف كل طاقاتي و لا تترك لي أملا واحدا في الحياة..لم يعد لي أمل في استرجاع يوم واحد من أيام الإنطلاق والحرية والتفكير المطلق والامحدود واللامشروط في الذات …
أصابني كساد عاطفي وخمول جسدي مرة واحدة ولم أعد أهتم بشريكي الأبدي في رحلة الليل…فانصرف عني إلى غيري ..ولم أكن استغرب أو أتعجب..بل كنت أتوقع ذلك و أتفهمه…مثلي تماما.. أحس بأنه ضرب بأحلامه عرض الحياة وان الزواج ليس كما توقعه و أنه مثلي …رسم أحلاما وردية لحياة مثالية مفعمة بالحب و الوئام..وانه حاول و أراد ان يستمر ذلك الحلم ولكن…
كنت أنام الى جانبه أشتم رائحة أنثى غيري …و لم أتجرأ على ايقاظه ..بل كنت أنظر اليه بشفقة … أنا أيضا هرعت في المساء الى الة الكمبيوتر لأبحث في حساب الفايسبوك خاصتي على حبيب سابق طوته السنوات..
تأملته بشفقة وهو نائم بجانبي بينما كانت الخيانة مدفونة بيننا كحشرة ..لم أعاتبه ولم أنبس ببنت شفة…قتل الروتين البائس والتفكير المستمر في الأمور المادية و أعباء الحياة اليومية كل ذرة عاطفة فينا….لم يكن لي أن أعاتبه على شيء لا يد له فيه…فكلانا ضحية مؤسسة فاشية فاشلة …
كتب يا عدل الاشهاد… كتب ولا تخشى شيئا فانا اليوم أعقل و أقوى و أكثر حكمة وحرية من أي وقت مضى….اكتب الان وهنا… تبا لكم و لمؤسستكم السجنية البغيضة التي من أجلها أترك العش الدافئ الذي فيه أنال ما أريد و بدون حساب لأدفن في زنزانة باردة حيث ينهشني الاخرون كما ينهش ا لأسد الجائع الغزال الغر الى اخر نفس..تبا لكم ولهذا المشروع المستبد الزاهق للفكر والخلق والإبداع المبتكر لروتين سام و طريقة موت على نار هادئة..
سأرضى بحبي لأنه شرعي أمام الله فلا تهمني شرعيتكم الواهمة المزيفة في شيء
وسأرضى بالورد الحرام في علاقة أراها نقية متعالية على منطقكم الأجوف ونظرتكم السخيفة ..سأرضى بالورد الحرام فورد حرام أفضل من القتل الحلال..من الإثم الحلال.. أفضل من اللاشيء..سأحب مرآتي دائما طالما كنت عزباء.. و قولوا عني ما شئتم و تحدثوا كثيرا فأنتم مجتمع الثرثرة ولا شيء غير ذلك..
…تبا لكم و لصك شراكتكم هذا الذي لا يتوحد فيه الشريكان إلا على السرير…
انتهى

الممثل بالداخل
شكري عبدالقادر ميجي أجي – ليبيا

لم أعد ممثلاً اليوم إلا إنني لم أكف يوما عن التمثيل. هذا ما حدث بضبط عندما التقيتُ بصديق قديم صحفي يكتب عموداً أسبوعيا لصالح مجلة الإذاعة والتليفزيون آخر مرة التقينا فيها كان قبل خمس سنوات كنتُ عندها في الخامسة والأربعين عمره الحالي إلا أنه بدا أصغر مظهراً من قبل، بالرغم من شعره الفضي اللامع، وخطوط صغيرة عند حافتي عينيه بمثابة تجاعيد، ظلتُ ابتسامته طفولية غامضة أكثر من قبل ابتسامة تتفجر شبابا. جلسنا داخل حديقة ليستْ بعيدة عن مبنى الإذاعة والتليفزيون. بعض الصبية بالقرب منا
يغسلون السيارات بجد، سواعدهم النحيلة مكشوفة، والمياه تسيل محملة برغوة الصابون تمر بجانب كشك لبيع القهوة، بسيط، يليق بالمكان. لم يكن الهدوء هو المهم، الحركة والصخب، خلقا إمكانية الحديث ضمن دوامة من اللامبالاة. شخصان يتحدثان فحسب، لا يهم !
“تبدو أصغر من عمرك”. هتف بأسلوبه القديم. قبل خمس سنوات استغربتُ من سرعة رفعه للكلفة وهو ما لم أفعله خلال لقائنا الجديد، بدا لي تصرفه عاديا للغاية، كأننا لم نفترق قط.
“حسنا رأيتك قبل أيام”.
هكذا قال.
“حقا؟ً”.
“بالماجوري، كنت مستعجلاً كما فهمتْ”.
“ربما كنت، صحيح”.
“ياه، لم نلتق منذ سنوات”.
“صحيح، لم نفعل”.
“هل تسكن في الماجوري”.
“لا”.
“لأنني رأيتك بصحبة فتاة، ماذا كنت تفعل؟”.
“لا شيء، لا أتذكر جيداً”. كنتُ أتذكر جيداً، كنتُ سعيداً. لا شك بأنه رآني أكثر من مرة وأنا أوصلها إلى هناك، ربما كان يعرف أيضا بأنني كنتُ سعيداً للغاية بينما كنتُ أوصلها. لأي سبب أنكرتُ سعادتي بإيصالها، تصرف غريب دفعني إلى التفكير مجدداً حول تصرفاتي، فيما كان – يتحدث. قبل مدة تعرفتُ على فتاة، كانتْ صدفة غريبة جعلتني مختلفا.ً أنا في الخمسين، زوجتي توفيتْ قبل أكثر من عقد كامل، ربيتُ ابنتي الوحيدة التي تزوجتْ منذ أشهر، هي الآن في رحلة دراسية
إلى ماليزيا، أخبرتني بأنها ستسافر مع زوجها إلى أمريكا حيث سيكملان دراستهما، أشياء كثيرة حدثتْ مؤخراً، وفي إحدى المساءات تعرفتُ على فتاة بالمصادفة. كانتْ واقفة على جانب طريق النهر. جلباب أسود مخصر، غطاء رأس رصاصي اللون، بجسد ممشوق، واقفة لوحدها، سمراء. تلك اللحظة بدتْ مهمة. كنتُ عندها ضمن جولتي اليومية عبر شوارع المدينة عندما رفعتْ يدها وهي تشير طالبة التاكسي، كما فهمتْ.
كانتْ الساعة تقارب السادسة، وهي الفترة التي أُنهي خلالها جولتي عادة. في ذلك اليوم كنتُبدأتُ أشعر بالحنين لفعل أي شيء أكثر أهمية من التذكر اليومي لتفاصيل حياتي. بعض اللحظات مثل هذه التي تبدو مهمة. صعدتْ بهدوء، طلبتْ مني أن أوصلها إلى مستشفى بنغازي المركزي. أمام المستشفى سألتني أن كنتُ مستعد اً لانتظارها وهو ما وافقتُ عليه بحماس مغلف. انقضتْ ساعتان. عادتْ بعدها تعبق مثل زهرة برية. استغرقنا ذلك اليوم في التجوال من بيت للآخر. اعتبرتها زيارات ذات طابع مجهول. كلما عادتْ كانتْ تبدو كأنها ازدادتْ نضارة، لكنني ظللتُ صامتا على الدوام. عندما أوصلتها أخيراً لمنزلها في الماجوري منحتني مبلغا قدره خمسين ديناراً. كان ذلك إعلانا رسميا بتحولي لسائق تاكسي. سألتني إن كنتُ راغبا بالمجيء في اليوم التالي من أجل جولة أخرى مماثلة، وافقتُ بهزة من رأسي. نزلتْ من السيارة. أغلقتْ الباب. طوال طريق العودة بدأتُ أحس بتوتر عميق ووحدة بالغة، تنفستُ بعمق رائحة جسدها الدافئ ثم واصلتُ القيادة بثبات ناحية بيتي . عندما عدتُ إلى البيت، كانتْ الساعة تشير إلى العاشرة. استحممتُ سريعا،ً استلقيتُ بعدها على سريري عاريا ووحيداً أتطلع نحو السقف، مستعيداً ما قاله الصحفي.
“قبل مدة بدأ صديق بفرز مكتبته توقع ماذا وجد فيها؟”. عندما لم أتوقع أضاف قائلاً “وجد شريط فيديو مسجل عليه فيلم قصير سيكون مفاجأة بالنسبة إليك! صدقني، أنت اعتزلتُ التمثيل، لكنها ستظل مفاجأة جميلة”. مرتْ الساعات بسرعة مثل رقصة على الجليد. صباح اليوم التالي ارتديتُ ملابسي. قمتُ بإعدادبيض مقلي.
جلستُ ربما للمرة العشرين ألف وحيداً لأتناول البيض المقلي بلا خبر مع رشفات الشاي البارد، متصفحا مجلة فنية أمريكية نشرتْ حوارات متسلسلة حول تأثير بعض الأفلام علىحياة ممثليها. أحد الممثلين تحدث عن تأثره بدوره في فيلم رعب قام بتمثيل الدور الرئيسي فيه حين
كان في الثامنة. ممثل آخر صرح بأنه عاش كوابيسا استمرتْ معه منذ بلغ العشرين، بسبب تمثيله دور مغتصب أطفال وقاتل متسلسل. أمتلك قرابة سبعة عشرة عدداً من تلك المجلة. حوارات لثماني ممثلين باختلاف شخصياتهم يتحدثون بإسهاب عن تجارب نفسية مروا بها عقب أفلامهم. الحوارات شكلتْ ما يمكن تسميته بالركيزة القوية لفهم الذات. لم أكن أدرك آنذاك بأن الحوارات سيكون – –لها دوراً غامضا في حياتي، بدتْ كأنها علامة مهمة. تخلصتُ من هذا الانطباع سريعا.ً بالرغم من إنني تركتُ التمثيل منذ فترة طويلة إلا إن شعوري المتجدد حيال فن التمثيل أخذ يزداد على الدوام. مؤخراً، عرفتُ بأنني ختمتُ أساليب التمثيل للأبد كاللعنة في داخلي. فأنا مثلاً لم أسمع شيئا من حديث الصحفي داخل الحديقة لكنني ادعيتُ بأنني منتبه إليه تماما،ً كما كنتُ أفعل سابقا قبل خمس سنوات حين كنتُ ألتقي بأي صحفي، ليس للسن علاقة بما أنا عليه من شرود .حسنا،ً ننتظرك غداً عند الثامنة”. قال الصحفي مختتما حديثه. فهمتُ بأنني مدعو لحفل عشاء سيُقام في منزله من أجل فيلم قصير كما قال وهو ما لم يثر اهتمامي. فيض الضوء يكتسح الصالة، أتطلع إلى عمقه النافذ. لم يكن هذا فقط ما حدث مع الصحفي. كنا على مقعد واحد في الحديقة. كان يرتدي ملابس تقليدية، فيما ارتديتُ سروالاً من القماش الأسود وتي شيرت لاكوست أزرق مثل ممثل أوروبي.
“الزمن مر سريعا”ً. قال الصحفي. “صحيح”.قلتُ
عندها قام الشاب بدلق دلو الماء على بدن الأسود اللامع لسيارتي الهونداي فاختلطتْ فقاعات الصابون المنسابة بالضوء الواهن على الإسفلت المعتم.
“قبل مدة تحدثنا عن الفن الليبي ، أعتقد بأننا لم نعد نمتلك فنا”ً. أوضح الصحفي، ضحك بعدها بشيء من العصبية، دفعتني للنظر إلى وجهه. كان جالسا على يساري وهي زاوية لا أحب النظر للآخرين منها عموما أحب النظر إلى وجوه الناس بشكل مباشر بسبب هذا ربما بدا بالنسبة لي مختلفا تذكرتُ عندها بأن صوته أيضا بدا مختلفا عندما هاتفني قبلها أيام، مبديا جدية رغبته بمقابلتي. تذرعتُ بأنني خارج بنغازي وإنني موجود في العاصمة. لم أكن مستعداً لرؤية أحد،
فادعيتُ ذلك. التقينا في الحديقة بما يشبه المصادفة أو ما أردتُ أن أعتقد بأنها مصادفة.
” أود كتابة سلسلة مقالات عن فنانين اعتزلوا الفن مبكراً، لأعرف الأسباب”. عندها أحسستُ بشيء من الاهتمام، قبل سنوات كان صحفيا مختلفا،ً ربما الزمن أضاف إليه بعض الحسنات وصار يهتم بالفعل بموضوعاته، منذ أشهر استغرقتُ ضمن محاولات من أجل فهم نفسي بشكل أفضل، ربما بسبب تأثير الحوارات الأمريكية.
“أقصد أنت كنت ممثلاً، زوجتك المرحومة كانتْ ممثلة، كذلك والدها حماك مخرج مسرحي، هذا نادر الحدوث”. زوجتي كانتْ ممثلة بارعة، وأنا توقفتُ عن التمثيل، لكن الممثل بداخلي لا يزال يضج بالحياة، يُصارع من أجل الظهور مجدداً كي يعرض مقتنياته التي جمعها بنهم الفاتحين طوال العصور. زوجتي أيضا تضج بالحياة في داخلي. حلمتُ ذات مرة بأنني حاكم أفريقي استحضرتُ بسبب الوحدة روح زوجتي المتوفاة، في الصباح التالي أدركتُ بأنني كنتُ أُمثل على مسرح اللاواقع. كنتُ بلا جمهور، مجرد راقص شعبي يُحلق بخذلان في حيرة مثل طير جريح بين أشجار البطوم. كنتُ عضواً في فرقة تؤدي الفلكلوريات الليبية على المسرح. في إحدى المرات رأيتها تدخل القاعة. توزع الابتسامات الهادئة على الجميع، ما عداي، لم أكن مهما.ً دوري في التمثيل المسرحي كان بسيطا جداً، راقص بائس ضمن جوقة بارعة من الراقصين. عند إحدى الآبار أظهر غالب ا وفي الخلفية بين الشجيرات مجموعة الفرسان الأصحاء بملابس تقليدية تناسبهم. أدعي مساعدتها ثم أشرع بمشاغبتها بسحب القلة الفخارية الممتلئة بالماء من بين يديها، قبل أن أبدأ بمبارزة فارس فلكلوري بملابس ناصعة ضمن جولات متشنجة من الرقص الشعبي، تنتهي غالبا بأن أبتعد عنها مهزوما.ً يُسبب هذا الفعل توتراً قبليا سيناريو النص ينتهي بتفاهم اجتماعي. إنها الأسطورة التي نعيد تمثيلها لجمالها الفائق. دوما نقوم بإنهاء قبل أن تصلالأمور لحروب أهلية، لذا ظلتْ أسطورة غير واقعية. احتجتُ لسنة كاملة حتى عثرتُ على جلسة هادئة معها . كان ذلك بعد دعوة كريمة تلقيتها من والدها المخرج عبد السلام البكوش عقب– مهرجان أصيلة الثقافي إبريل 1985 كنا خضنا نقاشا بدا مهما آنذاك حول المجتمع – – – والمسرح الثوري. بعكس توقعاتي الأولية وجدتُه رجلاً مختلفا داخل بيته، ليس الرجل الذي يهدر غضبا أثناء البروفات على خشبة المسرح، لم أجده بتلك الرهبة الأسطورية، بالرغم الشارب –الكث في وجهه، التغضنات والتجاعيد التي تجعله يبدو بمظهر المخرج المدخن والعصابي. بدلاً من تلك الصورة النمطية، وجدتُ المثقف المتحكم بأعصابه ضمن نقاش هادئ، كأنه في مكان مختلف وليس داخل بيته. أتذكر بأن البيت بدا عصريا بمقاييس ذلك الزمن الانفتاح الذي شعرت به أيقظ في داخلي رغبة جامحة ظلتْ مكتومة لسنوات كنتُ الضيف الثاني وصولاً الأول كان فيلسوفا يساريا،ً ذائع الصيت في تلك الفترة التي سميتْ ضمن كتاباته السياسة بمرحلة الركود. وجدته بدوره أكثر هدوء مما كان يظهر ضمن مقالاته العاصفة، بابتسامة صافية وروح نبيلة، متألقا على الدوام. تحدثنا أربعتنا باقتضاب حول آرائه الواردة ضمن مقالاته الأسبوعية. أعلن بأن مسيرة الفن تبدو أحيانا أكثر تعقيداً من مسيرة الدين. كان عشاء ظريفا ولم يكن دسما.ً استمتعتُ به على الدوام، سواء عندما حدث أو كلما تذكرتُ
حدوثه. تركنا الأب المخرج والفيلسوف اليساري يتحدثان بهدوء. ملنا نحو بعضنا مثلما يحدث دوما في الطبيعة. شجرتان مثقلتان بالثمار تميلان نحو بعضهما. أخذنا نتحدث بهدوء عن نفسينا.
أحاديث لم أعد لتذكرها إلا بعد سنوات من وفاتها. حدث هذا عندما وجدتُ نفسي داخل شقتي الجديدة. كنتُ هجرتُ فيلا السلام منزلي الأول بعد عشرين سنة من معاناة الذكريات الحميمة بين جدرانه. اشتريتُ لنفسي شقة جديدة في الحدائق، قضيتُ سنة كاملة في إعادة تصميمها. باب البلكونة أكبر بكثير من ذي قبل، فتحت غرفتين على الصالة، هدمتُ بعض الجدران، فأصبحتْ أكبر حجما بحيث صار بوسعي التحرك بحرية مثل أي راقص شعبي. كان لدي صديق يكره الجدران،
مات في الصحراء. العتمة أخذتْ تغزو ذاكرتي ببطء شديد، ربما ينجح الضوء في تبديدها. الضوء المتدفق عبر باب البلكونة، ظل يسقط كالنهر المقدس على كل شيء. الصالة والمطبخ تتوهجان من اللامعان. يُقال بأن فيلسوفا ألمانيا عندما جاءه الموت، أخذ يُردد بأنه بحاجة لمزيد من الضوء إلى أن مات. أصبحتُ مؤخراً مثل الفيلسوف الألماني، أحتاج دوما إلى مزيد من الضوء، أخشى النسيان.
عند الواحدة اتصلتْ بي الفتاة. ارتديتُ سروالا من القماش، وتي شيرت لاكوستْ أصبح هذا لباسي الرسمي مؤخراً اتجهتُ بسيارتي إلى شارع عبد الجليل حيث أشارتْ وجدتها بالقرب من محل للمواد الغذائية. اتجهنا بعدها إلى سوق الحوت بحسب رغبتها. أمام محل قديم للساعات
نزلتْ، عادتْ بعد عشر دقائق تقريبا.ً بعدها اتخذنا طريقنا بحسب طلبها ناحية منطقة طابلينو، حيث قضينا قرابة الساعة نتجول عبر أزقتها الترابية من فيلا لأخرى، في النهاية خرجنا ناحية سوق الحوت مجدداً إلى نفس المحل، قضتْ فيه نحو نصف ساعة، لنجد نفسينا غارقين في زحام طرقات بنغازي، قالتْ بأنها تريد مني أن أتجول بحسب ما أشاء، ضبطتُ التكيف بتوجيه منها بحيث أخذ يرسل تياراً دافئا عبر السيارة. بدأنا بعدها نهيم داخل بنغازي من شارع لشارع ومن ساحة إلى أخرى، بلا هدف. كان هذا من صميم بهجتي، أتطلع إليها عبر المرآة لأجدها شبه مستلقية. وجه هادئ. أنف بالكاد معقوف. شفتان مضمومتان. كانتْ إحدى أروع رحلات حياتي. حين وصلنا مجدداً إلى كورنيش الشابي أبدتْ رغبتها بالنزول. نزلنا. جلسنا على المادة الإسمنتية بصمت صاخب، نأكل معا شطائر البرغر وقطع البطاطا المقلية من صحن واحد. إحدى المرات لمستُ يدها من دون قصد وأنا أحاول أن ألتقط قطعة بطاطا مقلية. تأسفتْ بصوت رخيم، استمعتُ إليه بعطش شديد، ارتشفتُ من زجاجة الكولا رشفة باردة كبيرة، ابتلع لقمتي.
“أود أن أعرف ما تفعلين؟”.
سألتها بقلق.
“ماذا تود أن تعرف بالتحديد؟”.
أجابتْ بتلقائية، قضمتْ بعدها من شطيرتها.
“ماذا تفعلين؟”.
“ألم تعرف تساءلتْ اعتقدتُ بأن أسلوبي واضح”. – –
ابتلعتُ لقمتي التالية بصعوبة.
“لا أعرف”.
“حسنا، من الأفضل ألا تعرف”.
استقامتْ فجأة متطلعة نحو الشمس التي أرسلتْ أشعة معدنية أخذتْ تلمع على سطح المتراقص للبحر، برشاقة مماثلة تقافزتْ الأمواج نشطة.
“حسنا،ً خذني إلى الماجوري”. أوصلتها إلى الماجوري، لم نتكلم طوال الطريق. ولم أعد إلى شقتي، اتجهتُ مباشرة إلى ساحة الكيش حيثُ أوقفتُ سيارتي. قضيتُ هناك حتى السابعة اتجهتُ بعدها إلى منزل الصحفي. كان الزحام شديداً بحيث وصلتُ بعد الثامنة، متأخراً بربع ساعة لأجده مع قرابة خمسة أشخاص، عرفتُ اثنين منهم عبر سنوات الخدمة في الفن، فيما كان البقية من رفاق الطريق الطويل حتى سن الخمسين. استقبلوني باهتمام شديد، الابتسامات ارتسمتْ على وجوههم حتى بدتْ تشع بالبهجة. أجلسوني بينهم. خلال نصف ساعة التالية أخذتُ أجيب على أسئلة مختلفة بأفضل ما أقدر عليه من صفاء ذهني.
“لماذا توقفت عن التمثيل؟”.
“إنه بلا هدف”.
“اعتقدتُ بأننا من يخلق الهدف”.
“كنتُ مثلك،اعتقدتُ هذا يوم ا”ً.
“ماذا تعتقد الآن؟”.
“الهدف هو ما يخلقنا”. لم أكن أعاني مشكلة الهدف، لم أفكر يوما في مسألة من هذا النوع، لكن الحديث قادنا على هذا النحو وقد تحدثتُ بصدق عن أفكار حقيقية لا أؤمن بها. في النهاية لم يكن الهدف هو المعني بأي شيء تحدثتُ حوله. كنتُ أنا المعني بكل كلمة تفوهتُ بها. كان الهدف هو هذا بالتحديد، أن تجد ما يجعلك صادقا.ً الحقيقة ليستْ هي المحك، بل التزام الصدق. لسنوات بدوت منغمسا ضمن هدف واحد هو التمثيل”. صحيح، كانتْ تلك سنوات غامضة”. إننا نحتفل بأشياء لم ننجزها، إننا نمثل. قبل سنوات ألقيتُ محاضرة عن سيناريو ظننته عظيم ا أنجزته عن ممثل يعود للساحة بأسلوب ابتسم بالغموض،
سياسي أكثر منه فني. هذا يلائمني جداً. آنذاك عرضتُ المسلسل على مخرج تونسي شاب.
“إنه عمل فريد”.
قال التونسي.
“أعجبك؟”.
“مسلسلك عظيم، أنت بارع”. هكذا أخبرني باهتمام بالغ. العمل لم يتجاوز أبداً مرحلة السيناريو. لم أرتح منذ ذلك اليوم، في ذات الوقت لم أشعر بأنني غير مرتاح في الحقيقة لم أعد أدرك جيداً معنى الأشياء من حولي. أرجعتُ هذا لمدة طويلة لأسباب مختلفة منها تراكمات السنين من أجل حيازة الواقع. عبارة مهمة وجدتها ضمن إحدى مقالات الفيلسوف اليساري، ووجدتها مرة أخرى داخل الحوارات الأمريكية، وفي إحدى التقارير الصحفية الأمريكية، ضمن الفقرة الثانية وجدتها تفسر عوامل اقتصادية بدتْ مهمة يا للغرابة كانتْ التقارير من ترجمة الفيلسوف اليساري في سبيل إظهاره مأسوية المجتمع الأمريكي وبؤسه من الداخل. بعد عشاء دسم، وقف الصحفي منبها بشكل درامي بأن الوقت قد حان. باستقامة رئيس السيرك أعلن بأنه يمتلك إحدى أندر الفيديوهات ضمن الفن الليبي، ربما هي أول وأكثر محاولة مهمة في تاريخ الفن الليبي. بين الكلمات والابتسامات المشجعة، انتزع شريطا من إحدى الأدراج، قام بتشغيل التلفاز وجهاز الفيديو، فأدرج الشريط. جميعهم بدوا مهتمين بما يحدث ضمن الغرفة، لكنهم ظلوا ينظرون
ناحيتي مراراً، فأدركتُ بأنني المعني فعلاً بالأمر. يومي الذي بدأ بداية شبه عادية، تحول مع تقدم ساعات اليوم إلى ما يشبه يوما غير عادي، كما بدأتُ أشعر داخليا،ً بوجود حدث غامض يُحاك حولي، انتابني شعور غامض ومخيف بعض الشيء. تابعتُ ما سوف يُعرض على الشاشة، لأجد الأعجوبة. مرتْ الشعارات بهدوء، ضمن بحر من الظلمات، موسيقى هادئة صمتتْ سريعا،ً لتظهر صحراء شاسعة، رمال وشمس، بعدها شاهدتُ ساقين من الخلف، لشخص يرتدي ما يشبه تنورة حمراء عليها عقصات طولية. دارتْ الكاميرا بهدوء نحو الأعلى. ظهرتْ الخيوط الجلدية للأحذية البنية ملتفة بتداخل حول الساقين المفتولين. عندها شاهدتُ نفسي شابا بأنف مدبب. تطلعتُ بإمعان إلى الشاشة كنتُ أنا مرهق بلا شك أواصل المشي داخل ما ظننته دوما سرابا.ً مرتديا ملابس رومانية، بركبتين مكشوفتين، بدتا باهرتين إنه أنا قبل ثلاثين سنة بدوت مثل جندي روماني هارب أو ناجي وحيد من إبادة جماعية. الفيلم قصير يصل طوله لأربعين دقيقة تقريبا.ً مشهد مدهش لمناجاة تعتمد على متوالية الصور، شمس، رمال، سراب، عرق، أشباح، قبائل غير واقعية، أحلام هاربة، طفولة بين الأعمدة الضخمة، ضحكات نسائية، ركض بين الكروم، دماء وصراخ، هرب بين طيات الليل نحو المجهول، نجوم تتساقط، طوال الطريق كنتُ خلال المشي المنهك ألقي بقطع من مقتنياتي وملابسي حتى أصبح عاريا تماما مثل مصارع روماني، ابدأ بعدها مناجاتي الأخيرة. كائن بلا ذاكرة أنا لم أتذكر تفاصيل هذا الفيلم مطلقا.ً عندما خرجتُ من عند الصحفي، كان رأسي بدأ يعصف.
خلال لقائي بالفيلسوف اليساري قبل عشرين سنة تحدثنا حول دور المسرح والفن، كان مهتما بالفكرة جداً آنذاك ظهر توتر عميق ضمن المجتمع في سبيل استيعاب تداعيات التحرك العسكري الضخم، محاولات مريرة من أجل إيجاد القيمة الفعلية لهذا التحرك، بحيث يمنح معنى
جديداً لكل فكرة ضمن مؤسسات الدولة، كفنان بدتْ المسألة مختلفة جداً بالنسبة لي بدتْ تحديا لأغلب أفكار السياسية التي تم تكريسها آنذاك حتى تلك التي تم نسيانها. هذا التناقض هو ما خلق نوعا من التمثيل الجماعي، الادعاء بفهم أشياء غير مفهومة بالمطلق. استخدام أساليب مسرحية لإبداع حالة إبهار ضمن المجتمع بالرغم من عدم الاقتناع بها. كان التمثيل في الشارع، داخل المنازل وفي المؤسسات الحكومية كما كان السخط. لا أحد يعلن غضبه. الجميع كان يُمثل دوره ببراعة تامة. التمثيل الأشد إبهاراً بحسب القصص المتداولة أخذ يجري ضمن ساحات القتال،الصحاري الجنوبية، كان هذا مدهشا.ً
“الواقع هو المؤثر الفعلي في النصر أو الهزيمة، الواقع الذي نعيشه في البلاد وليس ما نعيشه في الساحات. الحرب هنا في شوارع المدن الهادئة”.
هكذا قال الفيلسوف، خلال الجلسة. كانتْ تلك فرصتي من أجل الخروج بشيء من الفهم. لم أتوقع يوما أن ألتقي بالفيلسوف الأهم في الدولة لفهم تعقيد الوضع في مجتمعنا. كنتُ انتهيتُ من تكوين
رأي خاص بي تجاه الأحداث الجارية من خلال الأعمدة الأسبوعية التي تنشر ضمن الصحف العالمية المهربة ومن قنوات الأجنبية داخل الفندق الصغيرة للدول المختلفة التي كنتُ أزورها خلال سفرياتي. لسنوات ظننتُ بأنني امتلكتُ رؤية شاملة حول المسألة الليبية كلها. بالرغم من أن رؤيتي الفنية ظلتْ قاصرة بلا دعم واقعي.
“أعتقد بأن التعقيد مرتبط بالنظرة السياسية حاليا”ً.
هكذا قلتُ.
“ماذا تعني بالنظرة السياسية؟”.
“إمكانية هزيمة أي جيش داخل الصحراء ليستْ إلا مسألة وقت”.
“أتفق معك”. قال الفيلسوف وهو يقترب مني ثم أضاف “لكن دورنا الصغير يتمثل في محاولات حصر الضرر المحتمل وقوعه”. هز رأسه قليلاً ضمن لحظة صمتْ أضاف بعدها “بالرغم من ذلك لا أود جعلها معركتي الأولى”. لسنوات اعتبرتُ المسألة مجرد صراع بدتْ كلمة معركة هي الأكثر توفيقا.ً
“كيف يُمكن حصر الضرر؟”. سألتْ.
“حين تقوم الديكتاتوريات بإشعال الحروب، يكون دور أمثالنا هو إشعال حروب ثقافية مضادة ضد الديكتاتوريين هدفها تحليل الأفعال والنتائج من أجل المحافظة على اتزان المجتمع، لذا لا بد من الاعتراف أولاً بوجود الضرر”.
“أيمكن أن يقع مثل هذا الاعتراف؟”.
“المهم هو خلق واقع يفرض مثل هذا الاعتراف”.
“أي واقع؟”.
“إننا نخاطب الناس. أنت بالمسرح وأنا بالكتابة. من بين الناس هناك الحكام. إنهم يُدركون بأننا ضمن معركة حقيقية من أجل حيازة الواقع. المجتمع والناس”.
“أيمكن خلق حكام جدد بما إنهم من الناس”.
“حاولتُ لسنوات فعل هذا، استهدفتُ الحكام مباشرة، من أجل خلق ما يمكن تسميته فيما بيننا بالحكام الجدد، فشلتُ في ذلك. بعدها بسنوات عرفتُ بأنني غيرتُ الناس جزئيا،ً نقص هذا التغير خلق واقعا مشوها استفاد منه الحكام الجدد”. كان هذا الحوار القديم بداية نواة سيناريو الذي كتبه الفيلسوف من أجلي إنني أتذكر هذا بشكل جزئي. فيلم عن نهاية جندي روماني، ناجي وحيد خلال إحدى الحملات في الصحراء الليبية، يجد نفسه أمام عالم مبني من ذكرياته، عالم فقده لأجل أمجاد روما، حين يُدرك هذا يشرع في محاكمة الإمبراطورية، ليتوصل لنتائج مهمة يموت قبل أن يكون بوسعه اطلاعها على أحد. أثناء عرض الفيلم اقتحمتْ مجموعة من رجال الأمن، صادروا كل شيء، قضيتُ بصحبة جميع أفراد طاقم العمل في المعتقل السياسي أسبوعا قبل أن ينجح الفيلسوف بإخراجنا، بفضل أصدقاءه في المناصب العليا. كانتْ الساعة تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل حين دخلتُ شقتي. لا شيء أكثر أهمية من هذا الفعل اليومي. العودة. جلستُ على المقعد، كان على الطاولة مجموعة المجلات التي تتضمنالحوارات الأمريكية. دون وعي مني، رفعتُ هاتفي وقمتُ بالبحث عن رقم الفتاة. اتصلتْ، رن
الهاتف عدة مرات قبل أن تجيب.
“أخبريني ماذا تعملين؟”.
“حقا تريد أن تعرف؟”.
“نعم، يهمني ذلك”.
بالرغم من أن قلبي كان يدق توقا مثل المراهق، إلا إنني كنتُ جاد اً.

أنا وهي !
نجاة ادريس اسماعيل ادم – السودان

عندما حمل زوجي خرطوش المياه وخرج به إلى حيث سبيل المياه بالخارج، كرهت ذلك الخرطوش وددت لو قطعته إربا إربا،أفي هذه (الزيفة)العاصفة يحمل خرطوشه ويمضي إلى سبيلها،ضغطت على أسناني وأنا أقول(سبيل الحبيبة)،فتحت الشباك لأستشف تدفق المطر..كان لا يزال مندفعا بشدة والرياح تدفع بالأمطار الغزيرة ،رأيته يحاول فك طيات الخرطوش المتشابكة غير مبا ل بالأمطار التي عطنت ملابسه وأخذت تضرب في رأسه بشدة،خرجت الآهة من صدري وكدت أعض على بناني غيظا وأنا أراه في تلك الحال ،رأيته يحمل الخرطوش ويمضي نحو حنفية المياه ،كدت أن أقول له :اترك مافي يدك حتى يتحسن الجو وتعال بجواري ..ولكن أبت أسناني أن تنطقها فقال لي بعينيه دون أن ينطق لسانه :”لن أغيّر مواعيد هديتي لخدوج”!…
قلت في سري وأنا أسمع أصوات الرعد تفرقع الآذان :”لعنك الله يا خدوج حية وميتة !”.. دائما ما كنت تقفين في طريقي، منذ صبانا الباكر وأنت تجدين كل ما تريدين..الشعر الطويل الذي تتسربل به الخيل.. الوجه الطفولي بعينيه المتوثبتين الذكيتين .. كل ملامحك كانت تنطق حسنا كأنها لوحة فنان رسمها بمزاج عال وهو يحتسي قهوته المفضلة،طفرت تلك الذكريات على رأسي وأنا أنظر إلى زوجي الذي خطفته مني زوجته الميتة ،ضغطت على كلمة ميتة بين أسناني حتى أؤكد لنفسي أنها ليست معنا في المنزل رغم أن زوجي يراها في كل زوايا البيت ..حملت أغطيتي وسرت إلى فراشي فقد بدأ الجو يبرد بفعل غزارة المطر الذي خف هديره ،سمعت خطوه وهو يعيد الخرطوش إلى مكانه بعد أن امتلأ السبيل بالماء ، اتجه إلى الدولاب.. كان يظنني نائمة أبدل ملابسه بأخرى جافة ..اتجه إلى المطبخ ليصنع لنفسه شايا يدفيء به نفسه ، قفزت من فراشي ،حملت منه براد الشاي ،أخرجت طقم الشاي ذا اللون الذهبي ..لا أعرف ما الذي دفعني لإخراج هذا الطقم الغالي من الأواني.. ربما كنت أريد أن أثبت له وجودي وأخرجه من دائرة الذكريات التي توترني ..تعمدت أن أجلس بجواره وأنا أصفي الشاي من أوراق النعناع التي يحبه بها ،قال بأسى واضح”ياه! ..شاي بي نعناع “.ثم اتبعها بعبارة “خدوج كانت تترك النعناع دون تصفية ! “كانت أنفاسي تتلاحق وأسناني تصطك عند سماعي تلك العبارة،قلت في نفسي.. خدّوج..خدّوج !ضقت ذرعا بهذا الاسم .. فوقع الكوب من يدي ،سمعته يقول:”انكشح الشر!” ،ثم استرسل وكأنه قد استشف ما يغلي به صدري فأضاف “دعيه سأسكبه وحدي”،أراد أن يسكب لي كوبا فرفضت ،انزويت داخل أغطيتي ،حاولت أن أنام ، صورتها لم تفارق مخيلتي ..تذكرت اليوم الذي خطبني فيه بعد موتها بثلاثة أعوام، قابلني في الطريق ..بدا لي وكأنه كبر عشرة أعوام على سنيّ عمره الحقيقي ..كنت قد انتهيت لتوي من إكمالى للدكتوراة ،ظننته قد جاء مهنئا ضمن من جاء ، ضغط على يدي وهو يقول “البشوفك يقول يا دوب متخرجة من الجامعة!” أكملت أمي عبارته حتى تزيل أي حرج قد ينسرب إلى أعماق نفسي “وهي بت متين ، إلا القراية دي قالت إلا تصل لي حدها!” .. اتجهت إلى المطبخ وأنا أستمع إلى أمي وهي تكرر وصلتها الرتيبة “كل ما يجيها زول ترفضو وتقول عايزة تقرا!” ،انتفض قلبي وأنا أتذكر رفيق طفولتي يختطف مني دميتي وأنا أجري خلفه وعندما أعجز عن اللحاق به يقذف الدمية أعلى الشجرة ويطلب مني إنزالها وعندما يترقرق الدمع في عيني يقفزمن الشجرة بسرعة ويضربني بالدمية ويجري …
مرت تلك الذكريات على رأسي وأنا أصب له كوب العصيربعد أن سمعته يطلب يدي من والدي و كان قد تزوج خديجة الفتاة التي خطفته مني ونحن على أعتاب المراهقة ،جمالها ومرحها كانا كافيين بتحويل أنظاره عني، أما أنا فأجبرت والدي بترك الحلة بعد زواجه وانكفأت في الدراسة بثقلي كله ،ورغم انشغالي الكلي بالدراسة إلا أن أخباره كانت تأتيني دون أن أسعى لمعرفتها ..عرفت أنه أنجب طفلة وحيدة عانت ويلات المرض ولم يترك لهاوالداها بابا لم يطرقاه لعلاجها ولكنها ماتت بعد بضع سنوات ثم عاش الزوجان فترة دون أطفال ثم سمعت بموت خديجة ..
التفاصيل التي سبقت زواجي كانت مألوفة ،لم أرتد الفستان الأبيض الذي كنت أتوق للبسه ، ذهبت إلى أحد محلات فساتين الزفاف الراقية ..كنت متسربلة بسوادي فإذا بموظفة المحل تقول لي: “الأفضل لك أن تأتي بالعروس لا أن تختاري بدلا عنها !” جريت إلى عربتي ..اتصلت به والدموع تملأعيني.. حكيت له ما جرى لي سريعا ،رد ضاحكا “يا شيخة ..هسع أنا افتكرتك غيرت رأيك مني..!”أضاف بصوت بدأ لي حزينا: “أنا ذاتي ما داير زفة وحفلة وهيصة !” العمر لم يعد يحتمل ..ثم أكمل عبارته وكأنه يحدث شخصا آخر ” كلو زمان سويّنا !”
تذكرت تلك الحادثة وأنا أتدثر بأغطيتي وأتقلب في فراشي ذات اليمين وذات اليسار ، لمت نفسي إذ كان ينبغي أن أعرف عند حدود تلك الحادثة أن الرجل لا يعيرني اهتماما ولكن قلبي كان يقودني .. انكفأت على جسدي حتى أبدلته لونا ذهبيا، تركت طلابي وكتبي وأبحاثي حتى نظارتي الطبية ما عدت أعلقها على مقلتيّ ،صديقتي هندعندما لمحتني في تلك الحال أطلقت صافرة حادة وهي تلحظ التغيير الكبير الذي طرأ على شكلي وجسدي وأضافت: لو رآك صاحبنا وقتها لما تجاوزك إلى أخرى ،نظرت في المرآة ..كان الفستان الكبدي قصيرا ومتناسقا على جسدي حتى كدت أبدو كملكات الجمال.. تركت شعري يتناثر على ظهري .
طفرت الدموع من عيني وأنا أتذكر فستاني الكبدي ،قذفت به في خزانة المنزل وأنا أكاد أمزقه وأنا أحكي لهند ما حدث لزوجي وهو يراني لأول مرة بذلك الفستان ، لم ير التغيرات التي انتظمت الجسد الذي خرج لتوه من غبار المكتبة وبراثن المراجع والكتب الصفراء ،لم يلحظ شيئا من الوضاءة والبهاء التي علت وجهي ..نظر إلى الفستان ،قلّب في دولاب زوجته ،قلّب بين صور كثيرة ،صورتها في الحديقة ،صورتها وهي تضع الحناء ،صورتها وهي تحمل طفلتها ،عشرات الصور ،ثم سل صورة من بين عشرات الصور.. كانت ترتدي فستانا كبديا قصيرا يصل حتى فخذيها ،كانت تقف في باب المطبخ ، نظرت إلى الصورة وإلى نفسي،كأنني هي ،نظرت إلى عينيه ..كانتا مغرورقتين بالدموع..ذهبت إلى الحمام،مكثت طويلا،خلعت الفستان ووطأته بقدمي ..
تقلبت في فراشي ذاك ،ذاكرتي تجتر الأحداث، كان المطر قد هدأ صوته ،غفوت قليلا،رأيت خدّوج أمامي بشحمها ولحمها ،كانت تضفر شعرها الذي استطال حتى وصل ركبتيها، نظرت إلى شعري قبالتها كان قصيرا مجعدا ، نظرت إلى ساقيها الممتلئتين ،جعلت أحدق في رسوماتهما .. كانا داخل رسومات الساقين ،مرة وهو يحملها ويطيربها ومرة وهي تجلس في إرجوحة،نظرت في ساقها الأخرى.. كانت ترتدي ثوبا أحمر وتضع جدلة على رأسها ..كان بجوارها يرتدي جلبابا وعمة ،دققت في باطن القدم.. الصور كانت كثيرة وبأوضاع مختلفة ..كنت أدقق في صوره لعلني أجد صورة يكون فيها وحده عسى أن أكون بجواره ،نظرت ونظرت هاهو وحده ..يا الله! وهاأنذا هنا ..كنت بشعرات متطايرات ووجه ذابل ،نظرت في باطن القدم ..كانت صورتها واضحة جلية ..كانت تمد لي لسانها ،لم أستطع التدقيق جيدا فقد رفستني عندما رأته يرمقني بنظرة فتركني وهرول نحوها..
قمت من نومي مذعورة ..كانت الساعة تشير نحو التاسعة والنصف ..الجو كان صحوا بعد أمطار الليلة السابقة ،انطلقت أعدو إلى عربتي وأنا أتذكر مواعيد محاضرتي ،وجدت أطفالا يرشون بعضهم بمياه السبيل ،كدت أنهرهم حتى تطوع أحدهم و همس في أذني :”خالتو ،شايفة الولد داك البتكلم مع البت ديك ؟ !” أومأت له برأسي موافقة فأكمل”شخبط ليك عربتك بطين المطرة “،نظرت نحو زجاج السيارة الخلفي ..كان بها قلبان مرسومين بخط رديء ..أمعنت النظر في داخلهما ..كانت فيه صورة خدّوج بهية ناضرة ..كانت تلوح لي بيدها ،وتمد لي لسانها ، ثم تحتضنه ويمضيان.

حتى لا تنتهي الحكايات
أحمد محمد حسين محمد

في الصباح، أستيقظت من النوم بصعوبة، ونظرت حولي فلم أجد إلا الفراغ..
– 1 –
انتظرته في سيارته خارج أحد المحال التجارية الكبرى، نظرت إلى وجهها الذي يظهر في المِرآة، صار لونه شاحبًا، لم تعد تقوى على النظر له لوقت طويل. شفتاها كساهما اللون الابيض، وعيناها كساهما السواد.
رأته يقترب من السيارة بوجه مبتسم، ابتسمت هي الأخرى ايضًا وارتدت نظارتها السوداء حتى لا يلمح الدموع التي على وشك فضحها أمامه.
بعد أن دخل إلى السيارة اقترب منها وسألها إلى أين؟ لم تكن تعرف الإجابة فقلت له أن يذهب إلى أي مكان يريده ولن تعترض، تحركت السيارة وبدأ قلبها يخفق بسرعة. شعرت أن قلبها صار ينبض بصوت عال لدرجة أنه يسمعه، نظر نحوها ثم إنطلق سريعًا بالسيارة. لمحت في عيونه سعادة مخيفة فأخبرته أن يتوقف. نظر لها بقلق وسألها عن حالها، فقالت أنها بخير، لكن دموعها فضحتها في اللحظة ذاتها فنزلت على وجنتاها بشكل متتابع، وعلى صوت بكائها.
لم تشعر به إلا وهو يمسك بيديها ويقبلها، وجدت نفسها تنتفض فسحبت يدها بسرعة. نظرت لوجهه فوجدته يبتسم، لم تقوى هي على الإبتسام هذه المره. قلبها يخفق، ويداه تقتربان من وجهها. لم تحاول إبعادها هذه المره. فأغلقت عينيها وشعرت بشفتاه تقتحمان حدود وجنتاها، حتى وصلتا إلى شفتاها، وعندها توقف نبض قلبها لبرهه، ثم عاد ينبض بإيقاع بطيء.
– 2 –
أقف في الشرفة المطلة على الشارع الواسع، أدخن سيجارتي ببطء، هذه هي السيجارة السابعة وأنا لا أمتلك إلا تسعة. على الجانب الآخر من الشارع يعبر رجل عجوز الطريق، ملابسه واسعة، رثة وغير مرتبة. أحاول أن اتخيله عندما كان شابًا، يرتدي الملابس الجديدة ويذهب لمشاهدة الأفلام في السينما، هل تزوج وهو شاب؟ لا أظن، أظن أنه قد عاش حياته كما يجب، وبعدها تزوج وأنجب ثلاثة أولاد، لكنهم الآن بعيدون عنه، أظن أنهم سافَروا بعد موت والدتهم، فعانى هو من الوحدة.. وقرر النزول إلى الشارع، بملابس واسعة، رثة وغير مرتبة. شممت رائحة إحتراق، فعلمت أن السيجارة ماتت بين أصابعي. قذفتها بعيدًا ولم أدرِ أين سقطت. أشعر أنني أحتاج لبعض القهوة، لكن قدماي لا تحملاني، لم أعد أقوى على رفع جسدي من على الكرسي. عقلي يقول أنني قادر على حمل نفسي إلى هناك لعمل فنجا ن من القهوة، لكنني لا أصدقه، أنا لا أستطيع.. بسيطة. قررت أن أضيع الوقت بمحاولة استرجاع شريط الفيلم الذي شاهدته بالأمس، في البداية كان كل شيء جميلًا، أسرة مستقرة وحياة سعيدة، ما الذي قد يرجوه المرء أكثر من ذلك؟ لكن للأسف هناك نقطة تتساقط عندها الحياة المستقرة كما تتساقط قطع البازل من يد طفل صغير. ضاع عمل الرجل، وجلس في المنزل بلا عمل فترة، حتى اكتشف بالصدفة أن زوجته تخونه، فقرر قتلها وقتل الرجل الذي تخونه معه.. وقتل نفسه في النهاية. أفكر في أنها الآن بين أحضانه، تداعب خصلات شعره، ويعبث هو بجسدها كله. أعلم أنها سعيدة بهذا، أما هو فبالتأكيد سعيد، من في هذا العالم يمتلك رفاهية الدخول في علاقة دون أن يحسب حسابًا للخطر؟.. أشعر أنني أفضل، أقف على قدماي، وأذهب لإعداد فنجانًا من القهوة، وانتظارها حتى تعود.
– 3 –
عندما وصلنا، وجدت نفسي أنزل من السيارة، لأصعد مباشرًا إلى الشقة دون أن انظر خلفي. دخلت إلى الشقة،
لأجده جالسًا على على الكرسي المقابل للباب، وفي يده فنجان قهوة صغير لايزال كاملًا . عيناه تحدق في الفراغ، اقتربت منه ووضعت يدي على كتفه، نظر لي وقال بنبرة هادئة: “اتبسطي؟” لم أفهم ما يقصده بهذه الكلمة، لكنني لم أرد وذهب إلى الحمام. خلعت ملابسي ووقفت تحت الماء الساخن. جزئيات الماء اخترقت جلدي وذابت فيه حتى أختلطا ببعضهم البعض ونزلا معًا إلى قاع حوض الاستحمام. شعرت أنني لا أقوى على الوقوف فجلست والماء ينهمر فوق جسدي بلا توقف. لا أعرف ما الشيء الخفي الذي يضرب الجزء المسؤول عن الذاكرة في المخ فيجعله يعمل بكامل طاقته. تذكرت بدايات زواجنا.. رؤية ضحكته التي لم تكن تفارق وجهه، زيادة سرعة نبضات قلبي عند سماعي لكلماته، وجهي الذي يبتسم لمجرد رؤيته من الشرفة قادمًا نحو البيت . لم اتمالك نفسي عند تذكري لهذه الذكريات فبكيت، كيف للذكريات السعيدة أن تتحول في لحظات إلى ذكريات يضيق صدري بها أشد الضيق؟
– 4 –
أجلس على الكرسي بلا حراك، في يدي القهوة التي لم تعد جيدة كما كانت، أظن مرارة حلقي أصبحت أقوى من مرارة القهوة. نظرت أمامي فوجدتها تعبر من الحمام إلى غرفة النوم دون أن تنظر لي. وضعت فنجان القهوة وقمت على قدماي بصعوبة ثم ذهبت إلى غرفة النوم، وقفت على الباب ونظرت لها، كانت تصفف شعرها بعيون ذابلة.
لم تنظر نحوي كأنني أصبحت فراغًا لا أشغل حياتها كما كنت، تحركت نحوها ووقفت وراءها ثم نظرت في عينيهاعن طريق المرآة وقلت: “اتبسطي؟”، لم تجبني ولم تنظر في عيوني حتى: “للدرجة دي مبقاش ليا لازمة فيحياتِك؟”، في تلك اللحظة، وجدتها تصوّب نظراتها نحوي وتقول: “روح أقعد قدام التليفزيون شوية”.
قلت وكأنني لم أسمع كلماتها: “أنا كنت عايز أعرف بس اتبسطي معاه ولا هتشوفي حد غيره.” لم ترد، تركت الفرشاة من يدها وذهبت إلى السرير ترتبه ثم قالت: “أنا عايزه أنام شوية”، وجدت نفسي أرد بإبتسامة: “يبقى اتبسطي”. نظرت إلى وهي تقاوم رغبتها في البكاء وقالت: “عايزه أنام سيبني واطلع برّه”.. لم اقتنع بما تقوله، اقتربت منها وقلت: “أنا عارف إني مابقتش نافِع بس..” قاطعتني: “انت بقالك تلات سنين بتقول كدة وأنا تعبت منالرد عليك، من فضلك سيبني أنام”. أكملت حديثي بهدوء: “أنا بس عايز اتطمن عليكي، ارتاحتي معاه ولا هتشوفي حد غيره؟” فأجابت دون أن ترفع رأسها من على الوسادة: “بقالك تلات سنين بتقول نفس الكلام وأنا مابردش عليك، انت ماتعبتش؟” لم أتكلم، وجدتها تعتدل في جلستها وتقول: “من ساعة الحادثة اللي حصلت وانت كل يوم بتقول نفس الكلام، لحد ما بقيت حفظاه ومبقاش يأثر فيا.. ممكن دلوقتي تسيبني أنام شوية علشان أصحى أشوف اللي ورايا؟”.خرجت من الغرفة دون أن أتفوه بكلمة، لابد وأنها أصبحت تراني لا شيء، على الرغم من أنني معها في ما تفعل ولا أعارضها، لكنها عنيدة والعند يزيد من تعقيد الأمر. تحركت نحو الشرفة ووقفت أنظر حولي، في البيت المقابل وقفت جارتنا في شرفتها بثيا ب كاشفة، نظرت نحوها فلم تدخل وتغلق الشرفة، ورغم أنني لا أرى عيونها ولا ملامح وجهها إلا أنني أكاد أجزم أنها تنظر نحوي وتبتسم، أظن أنها تعرف جيدًا أنني لا أشكل خطرًا عليها. لم أستطع أن ابقى في الشرفة طويلًا، شعرت أن عيونها تطاردني، دخلت إلى الشقة وأغلقت الشرفة ورائي بهدوء.
– 5 –
لم أستطع النوم، في الحقيقة لم يزورني النوم منذ مدة طويلة، لذلك أعتبر أن ما أمر به عندما أغلق عيني بعد مدة طويلة ليس إلا حالات من السكتات الدماغية لا أكثر. المشكلة أنني كلما أغلقت عيني ولم تأتني هذه السكتات أرى شريط حياتي يمر أمامي كفيلم يتم عرضه بشك ل مستمر. منذ ثلاثة سنوات بدأ عرض الفيلم، بعد حادثة تعرض لها زوجي أصابته بعج ز جنسي. في تلك اللحظة كنت أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول أن اتركه، والثاني أن أكمل معه حياتي، والقراران يبدوان بنفس درجة الصعوبة بالنسبة لي، لكنني قررت أن ابقى في النهاية. ثمة شيء بداخلي يفرض عليّ بقائي، ثمة شيء لا يريد للحكاية أن تنتهي عند هذا الحد.
منذ ذلك الوقت وزوجي تحول إلى شخص آخر، شخص يشك في أنني ادخل في علاقة مع جميع الرجال الذين أقابلهم، المشكلة الأكبر بالنسبة لي أنني أشعر أنه لا يبالي بهذا، رغم أنه يسألني كل يوم إذا ما كنت سعيدة بعلاقاتي بهم أم لا، إلا أنني أشعر أنه لا يبالي بالرد إلى هذا الحد، بل أشك أنه يرى أن هذا أفضل لعلاقتنا، وهذا ما يجعلني اتألّم كل يوم. أفكر في أنه إذا كان الأمر هامًا بالنسبة له، لكان طلب مني أن أترك عملي لأتفرغ له ولخدمته، لكنه لم يطلب، وكأنه يقول لي أنه موافق على أن ادخل في علاقات مع من أريد، دون أن يشعر نحوي بأي إهتمام. لماذا يصر على أن يتعامل معي كسيارة قديمة قرر صاحبها أن يؤجرها لمن يدفع أكثر؟ لماذا يصر على تهميش دوره في الحياة وكأنه يعيش كشبح بالفعل؟ لماذا يصر على أنني أخونه؟ ولماذا لا يستطيع رؤية أنني اتألّم وعلى الرغم من هذا أريد الحفاظ على حياتنا معًا؟ أحاول أن أوقف تدفق أفكاري، فدماغي تؤلمني ولم يعد الدواء مؤثرًا حتى. تمنيت أن تأتي إحدى السكتات الدماغية الآن، لتتوقف دماغي عن التفكير لعدة ساعات قبل أن تعاود عرض الفيلم مرة أخرى.
– 6 –
في اليوم التالي أستيقظت فلم أجدها، حاولت أن ابحث عنها في كل مكا ن فلم أجدها، لابد وأنها ذهبت إلى العمل مبكرًا، أو أنها قررت أن تخرج معه قبل الذهاب إلى العمل، لابد وأنه أصبح المفضل لديها عن من كانوا قبله بالفعل. وجدت عندي رغبة في النزول إلى الشارع، لم أنزل منذ مدة طويلة وأظن أنني أحتاج إلى استنشاق بعض الهواء. أرتديت ملابسي ونزلت إلى الشارع، تجولت قليلًا وأنا انظر في عيون كل من يقابلني، بعض النساء ينظرن إلى ويضحكن، أفهم سبب ضحكهن لكنني لا اعبأ به. أمر بجانب أحد المقاهي، فأقرر أن أخذ فنجان من القهوة قبل أن أستكمل رحلتي. أجلس لأرى أمامي شابًا يشبهني في شبابي، شعره ناعم وعظام وجنتيه بارزتان، يرتدي قميصًا مفتوحًا وينظر بشغف في الشاشة التي أمامه، لا أعلم ماذا يفعل، لكنني أظن أنه يحاول الكتابة، لابد وأنه صحفي أو معد في أحد البرامج، لا.. أظن أنه كاتبًا للقصة القصيرة أو روائيًا، لا.. أظن أنه سيناريست يحاول أن يبيع ما يكتبه لأحد المنتجين. لا أرى يدياه بوضوح لكنني أظن أنه ليس متزوجًا، بل غارقًا في حب فتاة شديدة الجمال لا يعرف كيف يقنعها به رغم قلة إمكانياته. كم أود أن أذهب إليه لأقنعه بالرجوع عما ينويه، كم أود أن أنصحه بالحفاظ على صحته لأطول فترة ممكنة من حياته، فما يخسره لن يستطع تعويضه مرة أخرى بأي شيء مهما كان. شربت فنجان القهوة وتحركت في إتجاه الباب، عندما خرجت شعرت بموجة حارة تضرب عِظام وجهي. وقفت على الرصيف أستعد لعبور الشارع، نظرت أمامي فرأيتها تسير معه واضعة يديها بين يديه وتميل على كتفه كما كانت تسير معي، تحرك بإتجاهها فسمعت صوتًا عاليًا من خلفي، نظرت بجانبي وجدت سيارة قادمة باتجاهي، فأغلقت عيني وانتظرت وأنا اتمنى ألا تنتهي الحكاية عند هذا الحد.

ذاكرة وجه !
وئام حمزة اسماعيل محمد

في منزل سناء اجتمعنا اليوم, بعد سنين انقطاع .
كنا نتسامر سويا ,نضحك و نتذكر الماضي . كنت هادئة الطبع دوما ,ربما لم أتحدث بعد ..
قبالتي تجلس سناء تشير إليها. الجالسة إلى يميني .لم انتبه لوجودها حتى اللحظة , ربما هي صديقة جديدة . كانت تناديها باسمي! لم اعتد هذا , وجل فخري في الحياة ندرته . ولكنها كنت تحمل أكثر من الاسم !
نادتها باسمي ,التفتت بابتسامة مؤكدة , بنظرة عميقة , خدان مستديران , شفتان صغيرتان , و شعر طويل منساب . ترتدي مع كل ما ترتديه من حلي وجهي .ترتدي جسدي .
جسدي الذي أنكره و أهمله , ظهري المنحني , نظارتي ,أنفي , حتى صمتي على شفتيها ارتدته !
كيف لم ينتبه أحد ؟! ..أسرقتهما أم انتحلتهما ! لا اذكر اين تركتهما – وجهي و جسدي .
كيف لي ذاكرة ؟ أعلم تماما من أنا و كيف وصلت إلى هنا .غير أني لا أعلم كيف وصلا اليها !
ما الذي فعلته لتستحقهما ؟!
***********
سأبقى صامتة حتى ينتهي الحلم !
لن أذكر شيئا عني –فكانت هي تحكي كل شئ. أبحث عن سطح أرى فيه بعضا مني .. لكنه مكان معتم , أقمشة و خشب .لا أثر لأي انعكاس !
أتأملها وهي مدفونة في الكرسي مثلي ,بجسد نحيل و صوت هزيل , تتحدث فينصتون و كأنهم بانتظارها ..
سأسألها عن ذكرياتنا . ما هذا الحرق في ظاهر كفك اليمنى ؟ تجيب : حوادث مطبخية ! و في عينها انكار الضحايا ! كانت تعلم اذن ! هذا الحرق سببته والدتها .كان عمرها خمس سنين بعد , حين عاقبتها بالحرق ..هذه أقدم ذكرياتها , وكانت تغفرها لأمها ,فقد كانت صغيرة و غير مؤهلة بعد لدور الأمومة .فاذا كانت الأمومة فطرة و إيمانا أمها كانت ملحدة ..
أقدم ذكرياتي على كفها و في عينيها . ربما انفصلنا في مكان ما …
*****
أسألها عن الجرح العميق في عنقها .تخبرني أنها شقاوة الطفولة .يرتعش صوتها, و تفر دمعة من عينها , تغطيهما بالتثاؤب .
هل تعرف هذا السر أيضا ! يوم حاولت الانتحار . ربطت شالي و علقته في النجفة , سقطنا سويا . لم أمت . أو علني مت !هل يكون البرزخ شيئا سوى ذكريات حرة ؟
****
أصبح وجودي في المكان غريبا .
أخذت أغوص في نفسي ,و فيها , وفي الكرسي أكثر . أغرق حينا ,وأحيانا أطفو . و كأني مجرد شعور دخيل ,مجرد خاطرة .
ولكنه شعور أعرفه , مررت به قبلا .
سأخبرك متى , ولكنه سر ! حتى وجهي و جسدي لا يعرفانه..ذاكرتي وحدها .
يومها سقطت عن العبارة .كان حادثا عاديا, مجرد حادث .لم تكن المياه عميقة أيضا , كانت باردة ,كئيبة , و غير مرحبة. لكنني أحببتها.
الظلام الدامس يسكنني ,و أسكنه .أبقى صامتة ليبدأ الحلم أيضا. أبقى صامتة ,علهم لا يدركون رحيلي . أبقى صامتة, و أسناني تصطك , و جسدي يرتعش . يظهر ضوء فأختبئ منه . أنزل للماء أكثر. شئ يجذبني للعمق و أقبله . أبقى صامتة , لأمكنه . يظهر نور فأختبئ إليه .
كان خيار الرحيل قد تم . وما علي سوى الطاعة. أغمضت عيني , كما أفعل اليوم. أغمضت عيني ,لأكمل الحلم .
ثم استيقظت صباحا على كتف أبي. لم يكن ليتركني للقدر .
لكنني لن أصحو على كتفه اليوم . هذا يقيني الوحيد !
*****
أتأملها وقد أعجبني أن أراني وجها لوجه !
وجهي الذي أحبه , .جسدي اللذي اهمله . الآن وقد تصالحت مع تفاصيلي .كيف تتركني و ترحل؟ ما عساها قدمت لتحصل عليها ؟!
أتأمل كلام عينيها , صمت شفتيها , يديها .
ترى أتعلمين مدى الجرح في قلبك ؟ هل هو معك أيضا ؟
أتعلمين سبب هذا الجرح العميق على رسغك ؟ اتهموك حينها بمحاولة الانتحار . كانت المرة الوحيدة ظلما .
نعم كان هو السبب .كنت بلا انتماء .لا تؤمنين بشئ . لا وطن ,لا عائلة لا أصدقاء .تهربين من التجمعات , تخافين من التفاصيل , من الذكريات , من الحنين .تخافين أن يكون لك معنى في مكان ما ,أو في ضمير شخص ما .
ثم كان هو . أخذ مكانه في ذاكرتك عنوة . بقي هناك , يصنع أحداثا و ذكريات . بقي يضيف معان لمعان تختزنينها.بقي في الحلم , في الوهم , ثم في الواقع .
يومها كتبت له رسالة .أخبرته بكل شئ, كيف تحبينه , كيف ترغبينه , كيف لا تقبلين بحبه العادي, تريدين طوفانا لتهدأ براكينك .
كانت الرسالة لتقتليه .لم يكن عليه أن يقرأها . لم يكن عليها أن تصله . كنت أكيدة من تمزيقك لها .لكنه عرف كل شئ . لم تخبري أحدا . لم يكن بوسعك البكاء , أو الصراخ . تمسكين بالقلم .. تسمعين نبضك عاليا عاليا .أعلى من كل الفوضى داخلك . النبض يكاد يفر من رسغك .غرزت القلم لتخففي عنه ..ليخرج بعض الدم .الدم الفاسد المتعجل للهرب .لكن كل دمائك تبعته . والقلم المتهور يتعمق أكثر . ليتك غرزته في موضع الألم .
****
وجدوني يومها ملقاة فوق الكتب .
حبسونا بعدها شهور عقاب . ربما لم تنتهي الشهور بعد !
ربما مازلت هناك في ركن الغرفة لا تقوين على النهوض .